".. الذي يريد أن يحيا اليوم ويعيش حياته ببهجة، فعليه ألا يكون إنسانا مثلك ومثلي، والذي يريد الموسيقى بدلا من الضوضاء، والبهجة بدلا من التلذذ والروح بدلا من المال، والعمل الحقيقي بدلا من الفوضى، والعاطفة الصادقة بدلا من الألاعيب فإن العالم الجميل هذا ليس وطنا له.."
كيف يكون الإنسان إنسانا؟
مراجعتي المتواضعة لرائعة "ذئب البوادي" لِـ"بوذا أوروبا" الحاصل على نوبل للآداب سنة ١٩٤٦ "هيرمان هيسه".
📕العنوان: مناسب كون القصة تسلط الضوء على وهم الشخصية المسمى بذئب البوادي (ذئب السهوب)- الهو، النفس الأمارة بالسوء أو أيا كانت التسمية - والصراع الباطل بينه وبين الأنا (الإنسان، هاري هاللر في القصة).
📒الغلاف: غير مناسب؛ سأفرض جدلا أن المراد منه تصوير ذئب، ومع ذلك يبقى غير مناسب- مع أن الرسم في الغلاف أقرب إلى الحمار المصاب بالجذام والإسهال - لأن ذئب البوادي رمز أعمق من تمثيله هكذا.
📖عدد الصفحات:
أ- الكلية: ١٩٤
ب- الفعلية: ١٩٠
📇سنة النشر: ١٩٢٧
📝مذهب القصة الأدبي: خيال نفسي، واقعية سحرية، الأدب الرمزي، الأدب القوطي، العاصفة والإجهاد (العاصفة والاندفاع)¹.
🗃️أبرز التقنيات الأدبية المستخدمة:
أ- السرد المتسلسل.
ب- المذكرة الأدبية.
جـ- القصة داخل القصة.
د- الراوي البطل.
هـ- الراوي العليم (ابن أخي العجوز صاحبة شقة الإيجار)، وهنا قيده هيسه وحجم دوره فاقتصر على نقل مذكرة بطل القصة (هاري هاللر)، وقص ما يعرفه عن البطل وكيف وصلت المذكرة إلى يده فقط.
و- مضاعفة الراوي، والمضاعف هو أنا هاري هاللر.
🗒️🗣️اللغة: أ- سردا ووصفا: سهلة سلسة مناسبة لطبيعة الشخصيات، لكنها نحت منحى الفصاحة في أحاديث موتسارت وغيته (غوته، غوتا)؛ وهنا نجح المترجم في إيصال ذلك للقارئ باستخدام المحسنات اللفظية والمعنوية في علم البديع مثل الطباق والسجع والمقابلة؛ ".. يا صبي الصبيان، أتعضض منك اللسان، وتجهد منك الرئتان؟ وتفكر في القراء والمومياء والمفترسين الضعفاء، وفي علماء التفسير والجهد المثير والسيف المشحوذ في السعير؟ إن ذلك للضحك معين، أيها التنانين، والضحك ذو الرنين والإفلاس المبين، وتفريغ البطن الأمين. أيها القلب المؤمن بالنجاح بما فيك من سواد طابعي الأرباح، ومن آلام الأرواح، إنني أشعل لك شمعة كالصباح لمجرد المزاح. إنها تدوير كالحلزون المستدير متداخلة التكوير، تراها وهي تسير في مجون الحمير، ولها ذيل قصير وشعلتها تنير ثم لا تنير. ليحفظك رب القديس ويخطفك إبليس، لتدق كالقفل ويوضع لك نعل، لما لك من كتاب وفحم الحطاب، لقد سرقت كل ذلك أيها الكذاب."
ونجح المترجم أيما نجاح في ترجمة روح النص؛ هيسه يكتب بعاطفة ودفء وقد وشعرت بذلك في مظانه، ومن أسباب نجاحه الحفاظ على أثيرية الجمل القصيرة في أدب هيسه.
ب- الحوار: امتازت الحوارات بما امتاز به الوصف والسرد.
وعمد هيسه إقحام أفكاره إلى درجة جعلت بعض أجزاء مذكرات هاري خواطر؛ لو لم يستخدم أسلوب المذكرة الأدبية لاعتبرت ذلك مثلبة، لأن هذا الأسلوب مناسب للإقحام ولأن قطع التدفق السردي على حساب الشرح دائما يدل على ضعف الكاتب من وجهة نظري.
•الشخصيات:
هاري هاللر، وأعتقد أن بابلو وهرمينة رمزان أكثر من كونهما شخصيتان، وقد نسج الكاتب على تفاعلاتهما مع البطل الواقعية السحرية؛ جسدا أدوات الإنسان الذي يسعى جاهدا لحل صراعاته الأحادية مع أنفسه، للوصول إلى السلام بالنيرفانا والإيمان بتعدد شخصيات² الشخص الواحد.
•الحبكات: منها العادي ومنها القوي المبني بلبنات درامية أدبية صلبة.
🎞️القصة باختصار: يسلم كاتب عجوز خمسيني مذكراته الأدبية التي أرَّخ فيها موجز حياته أثناء إقامته لدى العمة لابن أخيها.
ــــــــــــــــــــــــ
بوذا أوروبا نكل بالمادية الغربية:
تقاطع علم النفس ونظرية الأوتار الفائقة مع الفلسفات الهندية العريقة
وسذاجة المادية الغربية
من المسلم به في "علم نفس الشخصية" و"علم الصحة النفسية" أن النمط العام للشخصية ليس تاما، بمعنى انتفاء صفة التمام في السمة العامة للشخصية؛ فلا يوجد شخصية انبساطية بل شخصية أقرب إلى الانبساطية ولا شخصية نرجسية - وحتى لو كانت الجملة صحيحة علميا فهي خاطئة لاحتوائها على حكم عام غير دقيق نظرا لتعدد أنواع الشخصية النرجسية - بل شخصية أقرب إلى النرجسية.. إلخ، ويعود ذلك إلى "مكونات الشخصية" و"العوامل المؤثرة بالشخصية"، ومن هذه المكونات: المرونة، الثبات النسبي، الديناميكية، ومن هذه العوامل: البيئة الاقتصادية، البيئة الاجتماعية، التعليم والتعلم (عوامل من العوامل الخارجية المؤثرة في الشخصية).
أي أننا يمكننا القول مجازيا أن للشخص شخصيات لا شخصية وحيدة، ومن هنا نشأ التلاقي بين مسلمات علوم النفس والفلسفات الهندية التي نادت بالنيرفانا، والنيرفانا الهندوسية والبوذية والسيخية و و و... إلخ بينها تشابهات رغم اختلافاتها، النيرفانا ليست اتحادا مغفلا مع الكون بكل ما فيه من موجودات عن طريق الشعوذة والسحر كما يدعي البعض، نعم هي اتحاد مع الوجود لإيجاد طريق الخلاص، ولا اندغام يحصل دون أن يتخلص الساعي من وهم الشخصية وتضخم الأنا والاعتقاد السخيف القائل أن الإنسان سيد الكون وقطبه وأنه مركز الدنيا، وفي رحلة الساعي نحو الخلاص سيمر بمرحلة التعدد؛ هو كل شيء ولا شيء في آن، يشعر بما تشعر به كل دابة على الأرض، وينسجم مع الطبيعة شأنه شأن النبات.
أما بالنسبة لنظرية الأوتار الفائقة فما يهمني منها هنا - دون إطالة لست بقادر عليها - النموذج الحسي المتخيل الذي رسمه علماء الفيزياء والكيمياء وميكانيكا الكم للـ"ـجسيمات الأولية" المكونة للـ"ـجسيمات تحت الذرية" (البروتونات، الإلكترونات، النيوترونات)، ينص هذا النموذج على أن للجسيمات الأولية شكل الأوتار الملتوية المتموجة، ولذلك يمكننا القول مجازيا أن الكون يجب إدراكه كمعزوفة تتفاعل فيها أوتار فائقة تفاعلا تنتج ألحانا لا نهائية³، وبالعودة إلى ما سبق ذكره نجد تقاطعا مذهلا بين منطق الأوتار الفائقة والفلسفات الهندية.
المادية الغربية وهنا لا أعني "فلسفة مادية" بعينها - مصطلح الفلسفة المادية مصطلح واسع فضفاض - مثل المادية البارميندسية - نسبة إلى الفيلسوف الإغريقي بارميندس - والمادية المكيانيكية للودفيغ فويرباخ - صاحب رائعة أصل الدين - ودني ديدرو، والمادية الديالكتيكية لكارل ماركس وفريدريخ أنغلز، بل أعنيها كلها بشكل عام، فقد عبدت المادة وجزمت بأن لا وراء للمادة ولا شيء يأتي قبلها ولا شيء يأتي بعدها، وأنها الموجود الأول ومنها نشأ الكون.
وقد أودت هذه المعتقدات الخرافية البلهاء - التي كانت مبنية على آخر مستجدات العلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر، ومسلماتها كمكتشفات إسحاق نيوتين والجبرية والسببية - إلى تردي قيمة الإنسان وتبخيسها في ميزان المادية، الإنسان مادة فقط شأنه شأن الحمار - أعزكم الله - يأكل يشرب ينام يتكاثر يموت ولا شيء أبعد من ذلك.
وبذلك يكون هيسه نكل بهذه الترهات الفلسفية في أوج قوتها - ١٩٢٧ - "... فإذا لاحظنا مسرحية فاوست على هذا المنوال لرأينا من فاوست وفاغنر وكل الوحدات، شخصا فوق الأشخاص ووحدة فوق الوحدات تظهر فيها طبيعة النفس البشرية بوضوح. وعندما يقول فاوست بين معلمي مدرسته ذلك القول الذي يتعجب منه الجميع: «آه، إن روحين تعيشان في صدري» فإنه ينسى مفيستو وعددا ضخما من الأرواح الأخرى التي هي في صدره أيضا. وكذلك ذئب البوادي... إن الصدر والجسم الذي تسكن فيه الروح واحد ولكن الأرواح ليست اثنين أو خمسا بل لا حصر لها.. وقد عرف ذلك الآسيويون القدامى وفي اليوغا البوذية تمارين خاصة لإزالة وهم الشخصية فما أفكه وأغرب لعب البشرية: الوهم الذي حاولت الهند إزالته في ألف سنة هو نفسه الذي يجهد الغرب لحمايته ودعمه..".
وأختم هذه المراجعة بأن أفكار الرواية أكثر بكثير مما قدمته، وقد تركت الكثير من الأمور للقراء الذين يودون قراءة هذه القصة؛ لم أتطرق إلا إلى الأساسيات.
تقييمي للقصة: ٩.٣/١٠
رئيس نادي قراء الزمرة" علاء طبال"
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹: الرومانسية الألمانية الأولى (الرومانسية الألمانية الكلاسيكية، العاصفة والاندفاع، العاصفة والإجهاد) فرع من فروع الرومانسية نشأ في القرن الثامن عشر تقريبا، ويعتبر الإنسانان الراقيان يوهان فولفغانغ فون غوته - صاحب مأثرتيِّ فاوست وآلام فرتر - ويوهان كريستوف فريدريش فون شيلر - صاحب مآثر توراندوت، فلهلم تل، اللصوص، مؤامرة وغرام - رائدا هذه المدرسة ومؤسسيها.
تتسم هذه المدرسة بما تتسم به المذاهب الرومانسية الأوروبية الكلاسيكية، إلا أن الفرق بينها هو في الشدة التي تزدري بها العاصفة والاندفاع تأليه إنسان عصر التنوير، وسيطرة المدنية والحياة الحضرية على اهتمام البشر، وذلك عن طريق اللجوء والهروب إلى أحضان الطبيعة، وإطلاق العنان لسيل المشاعر.
²: لا أقصد هنا تعدد الشخصيات بالمعنى العلمي الطبي (مرض اضطراب الهوية التفارقي، انفصام الشخصية وما شاكلهما).
³: سلام قطناني، نظرية كل شيء:
https://youtu.be/dY2nM1xNUOM
