حَرائِقُ الْعُمر!
شعر/ "يحيى الشسخ"
*وكأن العمر غابة من الأيام تحترق أشجارها بعد أن صارت هشيما، فما كان أحوج هذا الشجر أن يسقى؛ لتستمر حياته، وتثمر أشجارها، وجاء بالحرائق جمعا ليكشف عن شدة الحرائق وحذف الخبر لأن القصيدة ستذكر الخبر، فتعلق القاريء بالعنوان الذي أثار داخله تساؤلات جمة حول السبب والنتيجة والكيفية وغيرها.
ــــــــ شعر يحيى الشيخ ــــــــ
شاعر يتميز بطول النفس، وسعة الثقافة، يكتب على آلة تصنع النسيج، وكأنه يغزل خيوط الشعر، ويصنع أثوابه، ويطرز ملابس شعرية، تشتاق القلوب إلى ارتدائها، وتسعد العيون برؤيتها، إنها فساتين الأفراح العربية الباريسية، تتلألأ في قلب فرنسا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا شِعرُ كَيفَ أَكونُ الْيَوْمَ مُنفَــــــرِدًا
وَأَنتَ تَرقُصُ لي في اللَّيلِ كَالْغَجَرِ؟
* يجمع بين أسلوب النداء والاستعارة، والاستفهام، والتشبيه، في تركيب صورة تشمل الشعور بالغربة والوحدة وكأن عادة الشعر يراقصة عادة قد يصاحبها الملل من تكرار الأمر، وقد يجمع الاستفهام بين الاستنكار والتحسر، وتحيلك القافية المكسورة إلى انكسار حاله وتغير نفسه وكأنها نهاية تغاير بداية حاله طيلة حياته.
نص القصيدة:
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ ما تُخفيهِ يا قَـــدَري
لَكُنْتُ وَقَّعْتُ آهاتي عَلى الحَجَــرِ!
لَكِنْ أَيَعلَمُ مَنْ دَوْمًا مَدامِعُــــــــــهُ
تُحَدِّثُ الْخَدَّ في مَقْصُورَةِ السَّهَرِ؟
آهٍ مِنَ النَّفسِ، آهٍ كَمْ أُجامِلُهـــــــا!
فَما أَكــــــــونُ سِوى عودٍ بلا وَتَرِ
وَما أَكونُ سِوى أَرضٍ مُمَـــــــــــدَّدَةٍ
في الصُّبْحِ قَدْ زُرِعَتْ بِالشَّوْكِ والْإِبَرِ
كَأَنَّني اللَّحنُ وَالْأَمْواجُ تَعْزِفُ لـي
لَمَّا أُغَنِّي انتِصاراتي بلا ظَفَــــــرِ
وَأَنَّني في خَريفِ العُمرِ لَستُ سِوى
خَريفِ ثَمرٍ لِأَغصانٍ بِلا شَجَــــــــرِ
وَأَنَّني الْعِبءُ مِنْ بَطني وَأَحمِلُــــــــهُ
تِسعًا وَيَحبَلُ بي إِنْ شِختُ في كِبَري
أُلَقِّنُ اللَّيلَ سِرِّي كَمْ يُسامِرُني
فَيُدْرِكُ الْبَدرُ أَنِّي مُتلِفُ السَّمَرِ
عُذرًا لِفاتِنَةٍ جاءَتْ تُراقِصُنـــــــــــي
على ضِفافِ الْهَوى لَمَّا انتَهى عُمُري
تَمُدُّ لي يَدَها وَالْمَوجُ يَجرِفُنــــي
إِلى جَزائِر أَحلامٍ بِلا جُـــــــــــزُرِ
لَوْ يَنتَهي الْعُمرُ، آهٍ كَيفَ يُغْرِقُنــــــي
في مُنتَهى غَرَقي في قَعرِ مُنحَدَري؟
يَمُدُّ لي ثَمَراتٍ حينَ أَقْطِفُهــــا
أَرى الْجِنانَ فَتَرميني إِلى سَقَرِ
مِنْ بَعدِ «إِنَّ» قَديمًا كانَ أَكَّدَنــــــي
وَالْيَومَ «كانَ» لِيَنفي مِنْ غَدي أَثَري
هَذا ابتِدائي وَكَمْ نُبِّئْتُ في صِغَري
أَنَّ الْبِدايَةَ كانَتْ وَانتَهى خَبَــــــري
يا شِعرُ كَيفَ أَكونُ الْيَوْمَ مُنفَـــــرِدًا
وَأَنتَ تَرقُصُ لي في الليلِ كَالْغَجَرِ؟
آتيكَ مُنتَشِيًّا إِنْ ضاقَ بي نَفَقي
وَمِنكَ أُسْقى مَراراتٍ مِنَ الصَّبَرِ
قُلْ لِلَّتي نَلْتَقي في كُلِّ قافِيَـةٍ
ما عادَ لي المُلْكُ والْأَيّامُ كَالتَّتَرِ
تَغزو فَتُتلِفُني في كُلِّ ثانِيَّـــــــــــــةٍ
وَتُضرِمُ النارَ في بَدوي وَفي حَضَري
لا تَشْرَبي، قُلْ لَها، حُبًّا يُؤَرِّقُنـــــا
لَوْ تَهجُرينَ، وَإِلاَّ الدّهْرَ فَانتَظِري!
وَإِنْ سُئِلْتِ لِماذا غابَ عاشِقُكُمْ؟
قولي لَهُمْ إِنَّهُ دَوْمًا على سَفَـــرِ!
وَقَدْ يَجيءُ غَدًا يَحكي لَنا قِصَصًا
بِاللَّيْلِ نَشْرَبُها في جَرَّةِ الْقَمَـــــــرِ!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(من ديوان «تراتيل لأوجاع الوطن والمنفى»، نيوزيس ــ منشورات فرنسا، باريس 2018م)
