الخاطرة فيما بعد الحداثة(٤)
•••••
الحدود الفاصلة بين الخاطرة وقصيدة النثر
(ورقة نقدية)
........
إن البحث في أغوار النثر لشعري هو أمر غاية في الصعوبة خصوصا وأنه لا توجد قواعد شكلية أو كمية وكيفية يمكن الاطمئنان إليها في عملية القياس الأدبي بين الجنسين(الخاطرة والقصيدة النثرية) لذلك فالبعض يرى ألا فارق بينهما، والذى يرى هذا الرأي كأنه يتخلص من المشكلة بشكل سلبي، وإذا فتشنا في أبحاث السابقين والمعاصرين وجدنا الأمر أكثر صعوبة، إذ لا توجد أبحاث ناجعة قاطعة تحدد الفواصل بينهما، ويلجأ معظم الباحثين إلى تكييف الوضع تبعا للذائقة والتجارب المطروحة من كلا الجنسين الأدبيين.
ثم إن اللجوء لقواعد البناء الشكلية وحده سوف يكون قاصراً في بيان الفوارق، وكذلك الاعتماد على مضمون كلا الجنسين وحده سوف يكون أكثر تميعا لتشابه حالة البث الوجداني الذي يتبعها الكاتب في معظم الأجناس الشعرية وبخاصة الخاطرة والقصيدة النثرية، لذلك سوف أطرح بعضا من الفوارق الشكلية والجوهرية بشكل مختصر مركز وكلها مبنية عندي على التجريب ومطالعة الإنتاج المطروح على الساحة الأدبية وأعتمد فيها على رؤية نقدية خاصة غير ملزمة.
أولا؛ من حيث الشكل؛
إذا اتفقنا أن الخاطرة هى دفقة شعورية آنية، فسوف نكون على يقين أن هذه الدفقة -من حيث الكم- ستختلف مابين كاتب وآخر، ببساطة قد تطول الخاطرة أو تقصر أو تتوسط، ربما برزت الخاطرة في شكل سطور معدودات، بشكل مسترسل دون تشطير أو تقسيم كفقرة، أو في شكل شطرات أو شذرات، القِصر وتحرر الشكل سمة غالبة في الكتابات المعاصرة.
أما القصيدة النثرية فهي ممارسة أدبية مستقرة، لا تخرج فى شكل دفقة واحدة، بمعنى آخر تتميز القصيدة النثرية بعنصر الصناعة الأدبية الفاخرة، لذلك فهي إفراز تدريجي للفكر والعاطفة، في شكل مقاطع متعامدة شبه مستقلة تربطها الوحدة العضوية وتسلسل الفكر، غالبا تكون أربع مقاطع - كما رأيت من النتاج النثري -لكل مقطع استقلالية في ذاته لكن يرتبط بالسابق واللاحق فكريا وعاطفيا، قد يطول المقطع الواحد في حجم خاطرة كاملة، والقصيدة المصرية لا تصلح في شكل ما إلا بشكل شطرات وأبيات متعامدة، ولا يصلح لعرضها الشكل النصي ذو الفقرات.
بعض النقاد يرون أن الخاطرة لا عنوان لها، وبعضهم لا يمانع، أما القصيدة النثرية فلها عنوان وهذا أمر متفق عليه قولا واحدا، بل لقد زاد بعض النقاد أن كل مقطع قد يحمل عنوانا منفصلا.
ثانيا؛ من حيث المضمون
الخاطرة الوجدانية والقصيدة النثرية قوامهما النثر بلغة الشعر، وعلى ذلك هناك تشابه بين اللغة المستخدمة في كلا الجنسين، لكن الخاطرة مغرقة بطبيعتها في التصوير والاستعارات المجازية، وكلما أجاد الكاتب في عناصر المجاز والصور الماورائية الترميزية التي تنحو تجاه المواربة فقد قدم صياغة جميلة لدفقه الشعوري، أما القصيدة النثرية فهي تعتمد جمال البيان، وقوة اللفظ والبلاغة، والاقتراب من التجريب والواقعية، واختيار المفردات والتراكيب ذات الوقع والإيقاع، كما قلنا هي صناعة أدبية فاخرة، لهذا الفارق تحديدا تتطلب القصيدة النثرية كاتبا متمرسا شديد الإجادة لفنون اللغة، في حين أن كاتب الخاطرة يشترط فيه إجادة اللغة حتى من دون الخبرة والتمرس في كتابة الشعر.
وحتى تتضح الصورة إجمالا؛ يصح إطلاق مصطلح الشعر الحر على الخاطرة، وقصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة قبلهما، فجميعهم يشتركون في التحرر من قيود الأوزان المتكررة في كل بيت، ويتفقون في حرية التعبير بشرط استخدام اللغة الشعرية.
ثالثا؛
بعبارة أشد إيجازا تعبر القصيدة النثرية عن تجربة كاملة بتفاصيلها المتدرجة والمتعددة
في حين أن الخاطرة مثل البرقية الشعورية تعبر عن لمحة وجدانية خاصة هي جزء من تجربة.
التطبيق
بالنظر إلى هذين النصين تتضح بعض أوجه الاختلاف مابين الخاطرة وقصيدة النثر شكلا وموضوعا كما وكيفا، وأؤكد في الختام أن كل ماتقدم هو حدود اعتبارية، وأكرر أن الأدب ليس فيه صحيح مطلق ولا خطأ مطلق، وكذلك فإن حركة التطور المستمرة في الأدب تجعل وضع الحدود الأجناسية أمرا شديد التعقيد.
نموذج لخاطرة من الشكل النصي ذي الفقرة المتصلة الواحدة..
أعْدُو في فلاة الفقْد، لا أمِيْزُ بين نهارِ كَدٍّ ولا ليلِ سُهْد، تغوصُ قدماي في رمالِ وهمٍ نثرتْهَا يداكَ من قَبْلِ بُعْد، جئتني مُستضْحِكاً تنشرُ النسيمَ عبقاً في باحاتِ صمتي، وما كان الرحيلُ سوى قتلٍ... من غير بُدّ.
كلما نظرتُ حولي ساءلني الطيرُ؛ ما جدوى السرابِ إذ ينشطُ فوق اليباب؟ كأنه يسخر من رهف قلبٍ تنحتُه سُيولُ العِتاب، فأجيبُه بالصَّفحِ همسا؛ أبِغيْرِ الحبِّ كنتَ تحيا هكذا... في زُمرةِ الأسراب!
............................
نموذج للقصيدة النثرية...
علمتني
..
عَلَّمَتْنِى أنَّنِى انسَانٌ .. لَدَيْه قلب
وأنَّ هذا القلبَ.. خُلِقَ حتى يُحِب
وعَلَّمتنى أنْ تجتهدَ عينَاىَ فى اثْنَتَين؛
تأمُلِ الحُسْنِ فى وجْهٍ بديعِ الصورةِ وعينين
والبكاءِ.. إنْ هىَ تاهتْ فى صفحاتِ السنين
****
علَّمتنى..
الغُصَّةَ وتَجَرُّعَ كاسَاتِ الأنين
وأنَّ الفرق بين النورِ والظلامِ..
ليس الليلَ والنهار
قالتِ انتبهْ للنورِ فى حَوَرِ العيون
وتعلَّمْ كيف يكونُ القلبُ وعاءً للحنين
علمتنى سِحرَاً قد حيّرَ الرّاقين
وترتيلةَ الشوقِ ما بَرِحَتْ تمتحُ بالظنون
****
علمتنى..
أنَّ السهادَ لذةُ العاشقين
وأنَّ الصبابةَ رفيقُ دربِكَ والقرين
علمتنى كيف أُبْحِرُ فى موانى الصابرين
ودفتي راحةُ يديها ومصباحى الجبين
علمتنى كيف تنبتُ الآهاتُ فى صخرٍ حزين
وأنَّ الغزلَ فى وجنتيها كترنيمةِ العارفين
وأُنشُودة الناى بصوتِها.. لحنُ العازفين
****
علمتنى..
أنَّ البئرَ ليس مَجْمَعَ الماءِ الدفين
بل ابحثْ عن الآبار فى أحداق المحبين
وأوصتنى؛ اذرفْ لكل ذكرى أيها الضنين
****
علمتنى..
ألا أرى من دونها نساء
وقالتْ؛ قلِّبْ بناظريك حيثُ تشاء
هل عرفتَ كإسمى دُرة الأسماء؟
هل رمقتَ كعينى فى الحَوَر حسناء؟
متى لحِظتَ كلحظى.. مُنتهى الأهواء؟
فيمنْ سمعتَ كصوتى ترنيمة غنَّاء؟
وهل تفتَّقَ ذِهْنٌ عن هكذا عطّاء؟
فقلت رويداً رويداً.. يعُوزُكِ الإطراء
فأنتِ ماوفيتِ.. نشدتك الإصغاء
لقد ملكتِ الحُسنَ بوجهكِ الوضّاء
سلطانةٌ بجمالٍ.. وعيونُكِ الوزراء
***
علمتنى..
أنْ أجترَّ الذكريات هكذا
بين عبق الحب، وهُيامٍ يُضوِّعُ بالشذا
فكلما ضللتُ السبيلَ كان المنقذا
****
علمتنى.. وعلمتها
أحبتنى.. وأحببتها
فارقتنى.. لكن بعد أنْ... علمتنى
...............
سيد عفيفى/عضو اتحاد كتاب مصر.
