الخاطرة فيما بعد الحداثة(٥)
•••••
نظرة شمولية لتطور كتابة الخاطرة
بقي أن نستعرض بشكل تدريجي مراحل كتابة الخاطرة في مشوار الكاتب، خصوصا أن الخاطرة تأتي كمقدمة لإرهاصات الموهبة الأدبية في حياة الكاتب، ثم يكتشف نفسه فيما بعد، فيتجه حيثما أجاد قلمه سواء في ناحية الشعر بفنونه أو السرد بفنونه، ونقول أن الخاطرة تسبق في مشوار الكتاب لعدة أسباب، منها أنها نص متحرر لا قيود فيه من وزن ولا قافية، ولا حجر فيها على كم ولا كيف، ومن الأسباب كذلك تنوع موضوعاتها ومساحة التعبير، كذلك لكونها دفق وجداني لا يحتاج إلا إلى صبها في قالب لغوي رشيق، فضلا عن تفعيل مخيلة الكاتب وصوغ الصور البيانية والمجازية بلا تأطير.
بناء على كل ماتقدم تعتبر الخاطرة من أكثر فنون الأدب ذيوعا وانتشارا في الأوساط الأدبية، والجدير بالذكر أن بدايتها لدى كل كاتب تأخذ منحى خاصا، والتعويل هنا على تراكمية الثقافة والفكر واللغة وشفافية الوجدان، وغالبا مايحدث اضطراب عند المبتدئين فلا يعرفون ما الذي يكتبونه وما تصنيفه، ذلك أن الكاتب يبدأ صياغة الخاطرة بخلطها مع الشعر العمودي الذي لا يعرف عنه الكثير، فيظن أنه يكتب شعرا، ومن ثم يلتزم السجع في طول الخاطرة، وأنا لا أرفض هذه النوعية من النصوص، ولا أقبلها كذلك، لن أرفضها كبداية تأسيسية ستوجه كاتبها فيما بعد حيثما يجيد، ولا أقبل تصنيفها ضمن جنس الخاطرة لافتقادها إلى خصائص التخاطر، فلنسمها إذاً النثر المسجوع..
وقد مررت بمثل هذه المرحلة عند بدايتي، وسوف أعرض أحد النصوص كمثال لنتاج هذه الفترة الأولية في مشوار الكتابة..
رفيف
..
رسولي إليك..
طائرُ الأقدار
على شُرْفَتك يقفُ..
رَهين الانتظار
مكتوبي صَدَّرْتُه نداءً..
يا بعيد الدار
ألَمْ يَأنِ لكَ وَصْلىَ
بليلٍ أو نهار؟
ليت الزمان..
كان توَقَّفَ
ما استدار
ولم تَأتِنا أنواءٌ بآخرةٍ
ولا إعصار
فالروح ثكلى بليلِها
ترقُبُ النَّجمَ في المدار
جاوَزَتِ المَوَاتَ بخُطوةٍ
نحو الاحتضار
فلمْ يَعُدْنى طَيفُك...
ولا رسولُك قد زار
وكلُّ إلْفٍ يقطعُ ويصِلُ..
غيرى أنا.. أحْتاَر
رفقاً بأميرٍ
أو أسيرٍ
فى هَوَاكُمُ الغَدَّار
....
ولا يفوتني أن أذكر في هذه المرحلة تقصير النقاد والأدباء الراسخين، وبخلهم على المبتدئين بالمعارف الأدبية، إذ لم أجد في بداية مشواري لا مراجع غنية، ولا مقالات توجيهية، ولا حتى نصحا وإرشادا، من ثم قطعت الزمن الطويل لألتقط معلومة من هنا وأخرى من هناك لأكوّن شخصية الأدب الخاصة، وٱليت على نفسي أن أجمع ثم أمنطق ما جمعت، وبعدها أبسطه لكل مريد ومهتم من القراء والمبتدئين.
المرحلة الثانية في رحلة كاتب الخاطرة تأتي بعدما يتعلم ويطالع نتاجات غيره من الذين سبقوه، لكنها مرحلة متوترة كذلك إذ يحاول الكاتب رفع مستوى كتاباته والتخلص من قيد السجع ثم الدخول إلى فضاءات رحبة بلا حدود، فنجد مستوى الإنتاج في هذه المرحلة يتذبذب بين الإجادة والتقليدية، ولن نرفض هذا النتاج المتوتر كذلك بل علينا دعمه وتوجيهه حتى يصل لمرحلة النضج.
والنضج هو المرحلة التالية، فيها يتمكن الكاتب من إبراز شخصيته الخاصة بمعزل عن تأثيرات غيره، وفيها يتضح المنتج النهائي ونستطيع الحكم على هذا المنتج إما بالإبداع أو غير ذلك.
قضايا فرعية..
على ذكر السجع في فن الخاطرة، ومن وجهة نظر شخصية، الخاطرة لا تلتزم بأية قيود فهي متحررة تماما من حيث الشكل والمضمون، لكن إذا كان الكاتب كفؤا بما يكفي لتضمين الإيقاع الموسيقي داخليا وخارجيا في خاطرته فلا غضاضة، إذا كان ذلك دون إرهاق السياق وترهله، فبعض الإيقاع يطيب لدى القارئ ويمزج ذائقته بوجدان الكاتب في لحظة فريدة من التوحد بين النص والقارئ، والسجع والجناس والطباق والتورية كلها من المحسنات البديعية التي تطرز السياق وتخرجه عن النمطية والركاكة.
التصوير المجازي..
قيمة الخاطرة وبداعتها تكمن في قدرة الكاتب على خلق صور بكر غير متكررة ولا تقليدية، وهذا سوف يميز نصا عن ٱخر من حيث الأداء البياني وصقل اللغة.
التكرار..
لعل تكرار لفظة واحدة أكثر من مرة داخل سياق الخاطرة يؤدي إلى نمطية غير محمودة، وهنا يجدر الذكر أن التكرار ليس مرفوضا بعامة، بعض التكرار لجملة ارتكاز واحدة قد يخدم السياق شريطة أن يوظفه الكاتب حسن التوظيف، والتكرار في الفنون الأدبية جميعها ينطبق عليه نفس الأمر، نرفضه إذا أدى إلى الترهل والنمطية، ونقبل حسن توظيفه، وليس أدل على قيمة التكرار من القرٱن الكريم..
فبأي ٱلاء ربكما تكذبان.. تكررت مع غالب ٱيات سورة الرحمن عروس القرٱن.
ففروا إلى الله إنني لكم منه نذير وبشير.. تكررت مرتين متقاربتين في سورة الذاريات.
السياق..
هناك بعض الإشكاليات فيما يخص سياقات فن التخاطر، منها على سبيل المثال تداخل الضمائر، بمعنى أن يشتمل السياق على ضمير متصل ما يسبقه أكثر من مرجعية، فيتوه القارئ لأي منها يرجع الضمير، وهذه أيضا إشكالية عامة في كل الفنون الشعرية والسردية، كذلك هناك إشكالية في دقة الأداء النحوي وتطبيق قواعد اللغة العربية، لذلك أهيب بكل كاتب ألا ينقطع طوال مشواره الأدبي عن مدارسة علم النحو والتوسع فيه قدر الإمكان..
الإشكالية الأخيرة هي حسن البيان، وهي تحتاج إلى التوسع والإحاطة لأنها تعرقل مسيرة الكاتب في كل فنون الأدب، هي موهبة قبل كل شيء، لكن في جزء منها هي مهارة تقوم على المران والتجريب، ومن أهم طرق اكتسابها القراءة والمطالعة والتشبع بروح اللغة وتذوق النصوص الخالدة لكبار الشعراء والروائيين، دون التأثر حد التقليد.
أخيرا..
ما زال لدينا الكثير من الأطروحات حول فن الخاطرة، لكننا سنتحدث عنها من خلال الجانب التطبيقي للبحث، المقال القادم هو الأخير وموضوعه سيكون ورشة كتابية نتلقى فيها مشاركات الأصدقاء، ثم نضع لها تقييما نقديا مختصرا، ويسعدني مشاركة الكتاب سواء المبتدئين أو المجيدين، ويشرفني كذلك مشاركة الأساتذة النقاد للتقييم والتوجيه، المجال مفتوح للجميع.
سيد عفيفي/عضو اتحاد كتاب مصر.
