قراءة في القصة القصيرة
~ علاش يقتل ولادي ~
للأديب/ محمد الرحالي
___________
" علاش يقتل ولادي .. ! "
ملحمة حقيقية مسرحها الشارع. الشارع يقطنه الدهماء، أو الرعاع من منظور السلطة. والسلطة واحدة في كل العصور مهما تعددت اشكال الأنظمة. يهمها في المقام الأول امتثال الشارع، تتمتع السلطة- أو رجل السلطة - بالبندقية. والبندقية بقدرتها على القتل الفوري تمنح رجلها قوة القلب، والصلف، والاستبداد، والاستهانة بحيوات الناس الذين لا يرى فيهم إلا رعايا، لا يملكون بندقية لأن القانون جردهم منها ووقفها على رجاله. ولأننا شرق سعيد، فقد تمتعنا بنظم الحكم الحديثة، لكننا امتلكنا المهارة لكي نطبقها على طريقة الاقطاعيات القديمة. لا يخفى على القارىء ماترمز، او ماتحيل إليه الشخوص الثلاثة الذين جمعتهم الحبكة في شارع من شوارع المدينة لا يختلف عن اي شارع آخر، فالكل يرسف بشكل او آخر تحت نفس النير. لدينا نموذجين من المواطنين يسمى كليهما " بوكلاب". والسرد يحمل تفسيرا للكنية باعتبار علاقة كل منهما بالكلاب. لكنها في ذات الوقت - الكنية - تحمل مسحة من الازدراء، فالكلاب في معظمها حيوانات متشردة هائمة تعتاش على ماتعثر عليه في مكبات القمامة. وحتى بالنسبة للراوي فلا أظن نوعية الكلاب التي يهتم بتربيتها سترفعه إلا من حيث الطبقة التي ينتمي إليها. فهو صاحب تجارة، يربي ويبيع الكلاب ويعرف عنها بعض المعلومات التي تعكس ثقافة ما. فهو يمثل من تلك الزاوية الطبقة البرجوازية. بخلاف المتشرد الذي لا يختلف كثيرا عن الكلاب التي يأويها، إذ يعتمد في معاشه على نبش القمامةإلى جانب الهبات التي يحصل عليها من المحسنين.
مالذي دفع الراوي " بوكلاب " إلى التصدي للدفاع عن المتشرد " بوكلاب ". بالتأكيد لا يتعلق الأمر بعلاقة كليهما بالكلاب. فقد رأينا الأول يزدريها، بينما يعدها الثاني بمنزلة أولاده. يخامرني الظن بأن بوكلاب الراوي قد وجدها فرصة أتيحت له لتأكيد الفوارق الطبقية بينه وبين المتشرد، نصف هذا الفعل بعبارة " أخذته الجلالة .." .. أو " نسي نفسه " فظن أن بإمكانه مجابهة قاتل الكلاب بما في يده من حجارة كان قد جمعها لدرء خطر الكلاب. بماذا تذكرنا ملحمة الحجارة ضد الرصاص. ذكريات غير سعيدة بالمرة. ففي كل مرة التقيا سالت دماء بريئة كان الحق إلى جانبها. الحجارة ضد الرصاص صراع غير متكافىء، ونتائجه كارثية مهما تشدق المتاجرون والمنبطحون، رصاصة واحدة دوت جعلت سروال بوكلاب يتبلل. وسمرته مكانه فالشرطي يملك صلاحية القتل، إذ حصنته السلطة بإباحة اطلاق الرصاص على أي مجرم يشكل تهديدا على حياتهم، وحياة الآخرين. والحجر في يد بو كلاب يمكن توصيفه في المحاضر الرسمية كسلاح قاتل. كان من الممكن ان تنتهي مغامرة بوكلاب عند هذا الحد، فقد علم أنه ليس ندا في تلك اللحظة لصائد الكلاب المسلح، وبالسلطة، لكنه ترك العنان لغضبه، لقد تمادى الصائد في إهانة المتشرد وانكب عليه ضربا وركلا بعقب البندقية. هل تعمد الصائد الإيغال في قسوته ليدفع بوكلاب إلى الوقوع في المحظور؟ هذا ما أميل إليه. وقد وقع بالفعل في المحظور فدفع الشرطي دفعة كادت تسقطه أرضا. يبتعد المتشرد وهو يردد " علاش يقتل ولادي.. علاش ". وتمتد مساحة من البياض لا يذكرها الراوي بوكلاب، يختفي مشهد الشارع كليا لنلتقي به رهن التحقيق متهما بإهانة موظف والتعدي عليه أثناء مزاولة مهنته.
ماذا يريد النص أن يقوله؟ لا يمكننا القطع بذلك. لكن المغزى السياسي شديد الوضوح رغم أنه لم يأت على ذكر السياسة ولا على سبيل التلميح. إن هي إلا مشادة جرت بين رجل الشرطة وبين اثنين من المواطنين. انتهت بأحدهما رهن التحقيق. ومع ذلك فالمراتب الطبقية التي يحتلها كل من الشخوص جلية، والدرس واضح وهو أنك إن أردت الثورة فلن تجديك الحجارة نفعا. ولن تربح الجولة بمجرد ترك العنان لغضبك ليقودك.
كل التحية والتقدير لإبداعك اخي محمد الرحالي.
_______
نص القصة
« علاش يقتل ولادي »
لا، لست أخافها، وإلا ما استطعت ترويض أشرسها وتربيتها..وبيعها.. وما ارتبط اسمهم باسمي حتى جردوني منه وصار ينادونني ”بوكلاب“ ..لكني لا أحب الكلاب الضالة التي لا تفتأ تزعج المارة بنباحها واعتراض سبيلهم خاصة الذين تشم فيهم رائحة الخوف كما يقولون، ويدعونها باسم علمي لا أعرفه.. ولا يهمني ذلك، المهم أني دربت جسمي من زمن طويل على أن لا يفرزها..ومع ذلك حين تكون في جماعات يذهلني اقترابها مني، ونباحها المتواصل يستفزني..
اقتربت بحذر.. انحنيت إلى الأرض، والتقطت أحجارا مدبدبة، رددت وأنا أتمتم :
” هذه ستبقيها بعيدة عني“
أرسلت حجرا انطلق كقذيفة، هشمت زجاجة خمر فارغة، اخترق صوت تشظيها سكون المكان، أطلقت ضحكة خافتة، وقد تخيلتها تفر هاربة مولولة..
انطلق دويّ عيارات نارية متتابعة، جعلتني أرتعد وأتلفت يمنة ويسرة كالممسوس وأنا أردد :
” إذن، فإن خبر السماح للشرطة بإطلاق الرصاص على مجرم يشكل تهديدا على حياتهم وحياة الآخرين؛ لم يكن إشاعة.. لكن أيعقل أن دخل طور التطبيق بهذه السرعة وفي هذا الصباح الباكر!؟“
تقدمت بضع خطوات دون أن أر موضع قدمي، فتعثرت بشيء رطب جعلني أطلق صرخة عالية، دققت النظر، فرأيت جثة كلب والدم يغطيها غمغمت وقد سكنت نفسي قليلا :
” تبا، إنه قاتل الكلاب ثانية.. أرجو له نهاية صاحبه الذي مات وهو ينبح..“
دوت طلقات أخرى.. أعقبها نباح متوجع وأنين استغاثة، أرسلت بصري .. رأيته يترجل من سيارة البوجو حاملا بندقية الصيد، ثم يسحب الجثث ويضعها في صندوقها الخلفي.. وذلك المتشرد الذي يعيش في العراء بصحبة الكلاب، بهيئته المعتادة أشعث أغبر ممزق الثياب، حاملا أكياسا ورزما مملوءة بما يجود به الناس من كسوة وأشياء أخرى يلتقطها من حاويات القمامة، يصرخ في وجهه متذمرا، وهو الذي لا يسمع له صوت إلا نادارا :
” علاش قتلت ولادي!؟ علاش..! “
لم يجبه صائد الكلاب ولم يعره مجرد التفاتة، فاندفع المتشرد باتجاهه، ودفعه على حين غرة فأسقطه أرضا ، فقام الأخير والغضب الشديد يبدو عليه، أحكم يديه على نحره مشددا الخناق حول عنقه، صارخا، مهددا :
” سأدفنك معها دون أن ينتبه لك أحد يا.. بوكلاب“
لم أمتلك نفسي، وأسرعت إليهما وصوتي الجهوري يسبقني :
” إي.. إي.. راه يموت ليك بين يديك وتحصل..! “
ولما لم يلتفت إلي، أدرت حجرا في يدي بسرعة كبيرة وأثناء محاولتي التسديد نحوه، لمحني.. صك أسنانه في حنق، وصوب بندقيته باتجاهي وأطلق عيارا..تسمرت مكاني وقد تبلل سروالي من الخوف، ولم أدر كيف أحتمي في تلك البقعة المنبسطة المكشوفة، لكن الرصاصة أصابت كلبة بالقرب مني كانت تحمي صغارها مني، وتكاد تنهشني، فقتلها، حوقلت مستجمعا رباطة جأشي، متوجها إلى صاحب البندقية :
” ألا تحسنون إلا القتل.. لو آويتموها مثلما يفعل هذا.. “
وأشرت إلى المرمي على الأرض وهو غارق في أكياسه ورزمه.
رمقني الرجل من أسفل إلى أعلى في تعال واستقرت عيناه على الأحجار التي لا أزال أحملها بيدي وقال في استهزاء :
” أوتحسبها خرافا يا هذا..ههههههه “
وانكب على المتشرد ركلا وضربا بعقب البندقية وهو يتوعده :
” شوف يا بوكلاب نهار نشوفك قدامي نقطعك طراف طراف ونرميك للكلاب تاكلك قبل ما نقتلها“
تملكني الغضب وغلبتني الحمية لنصرةالمسكين المستضعف، فدفعت صاحب البندقية بعيدا عنه، فتراجع حتى كاد يسقط على ظهره. أمسك المتشرد يدي الممدودتين له لأعينه على الوقوف وابتعد عن المكان وعينيّ تتبعه وهو يردد :
” علاش يقتل ولادي علاش..!“
وقبل أن أنبس بكلمة؛ أفقت مكبل اليدين في قاعة كبيرة. ورحت أنقل بصري فوق الوجوه الجافة التي شقت فيها السكاكين أخاديد عميقة فأصبحت علامتهم الإجرامية التي تنذر بخطر الإقتراب..دون أن تأتي عينيّ بعيونهم الحمراء النزقة التي تدور في محاجرها بشكل مخيف..
دخل علينا شرطي بلباس غير رسمي، جلس على كرسي بوضعية معكوسة كأنه يعانقه، أشار إلي بسبابته أن أقف أمامه، سألني:
” سميتك..وباك فاش خدام..“
أخبرته أن أبي متوفي وأني من يعيل عائلتي، غافلني بصفعة مدوية لم أذق مثلها أبدا، صارخا :
” يالاه بالزربة.. علاش جابوك “
اغرورقت عيناي بالدموع، ولما قصصت عليه القصة بلسان متلعثم، أمرني بالعودة إلى مكان جلوسي مرددا :
”يحسابليك راها السيبة فلبلاد باش دير شرع يديك.. أنت متهم بإهانة موظف والتعدي عليه أثناء مزاولته مهنته..“
علاش : لماذا
شوف : أنظر
نشوفك : أراك
طراف طراف : قطعا صغيرة
المراد من الجملة : إن رأيتك يوما أمامي سأقطعك إربا إربا وأرميك للكلاب تأكلك قبل أن أقتلها
فاش تعني هنا : ماذا
خدام : تعمل
يالاه بالزربة : قل سريعا
علاش جابوك : لماذا أتوا بك هنا يعني سؤال استنكاري
يحسابليك راها السيبة فلبلاد باش دير شرع يديك : أتظن أن ليس هناك قانون في البلاد حتى تأخذ الحق بيديك
••••••••
محمد الرحالي