زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

« قراءة » بقلم: الأديبة و الناقدة / كنانة عيسى _ في نص « رقصة قمر » _ للأديب المصري / خالد عجماوي


 



بعيدًا عن فلسفة الجنوسة


قراءة بقلمسيدة النقد العربي 


الأستاذة:  كنانة عيسى


في نص  « رقصة قمر » 


من النصوص الجدلية الرائعة


 للأديب المصري: خالد عجماوي


..........................


النص


« رقصة قمر » 



لو أن أمرنا بيدها لأسكنتنا داخل أعشاش الفراخ، أو لربما وضعتنا بين قطيع النعاج، علّ السفاح يتوه عنا، فلا يصل إلينا. أختي كريمة أمرها هين؛ حيث أن زواجها بعد أسبوع وستنتهي مسئوليتها. أما أنا فمصيبتي كبيرة. 

عجيبة أنت يا أمي! كيف تغفلين عن أن ابنتيك المفقودتين كانتا متزوجتين؟ كانت "سعاد" في بيتها منذ عامين. كذلك كانت "وردة" في حكم الزوجة بعد أن مر على عقد قرانها ثلاثة أشهر. كلتاهما يا أمي كانتا في كنف رجل ما، وبالرغم من هذا اختطفهما السفاح.

- لا تخرجي ليلا..

تقولها تقريبا كل ليلة، وهي تهش على نعاجها حين يحل الليل حتى يدخلن الحظيرة. 

 من يدري؛ ربما رجعت وفي يدي سعاد ووردة. أسرد لها هذا الخاطر فينسدل من عينيها دمعة تحفر في خدها سبيلا من التحرق والألم. تقول متحسرة:

- سعاد ووردة عند رب كريم.

اجتاحتني لوثة غضب عارم. أود لو أقابل ذلك السفاح المريض الذي شاع أمره في قريتنا الصغيرة، فأفتك به بيدي هاتين. لماذا لا يأخذ إلا المتزوجات؟ هل يغتصبهن؟ خطر لي أنه يختار الخائفات! 

 كم كانت سعاد ترتعد من ذكر اسمه ولو بالمزاح، كذلك وردة. أذكر أنها بكت من الرعب مرة وأنا أختلق لها قصة من خيالي عنه ونحن نقوم بإطعام النعاج. ظلت تبكي بحرقة وهي تتمتم مرتعدة:

- الله يسامحك يا قمر!

ورثت سعاد ووردة قلب أمي الواجف. لا أزال أذكرها وهي تنظر نحو الأرض حين يلومها أبي لسبب ودون سبب.أذكر لما كنت في السادسة، ونهرها لشيء لا أذكره.  بدت وكأنها تستلذ حين ينهرها. كأنها كانت تنتظر منه شيئا أكبر. أمسكها من معصمها يومها وقد تأوهت هي ألما. دلف بها إلى الحجرة وأغلق عليهما الباب. بكيت وأنا أسمعها تتوسل. تقسم أنها قد تابت. تتأوه. ثم تتوسل.  ثم يُفتح الباب كي أراه خارجا  وهو يتصبب عرقا وصدره يعلو ويهبط.  ألمحها من طرف الباب فأرى امرأة شعثة بللت خديها بدموعها، وإن كان على شفتيها شيء أشبه بالابتسامة. لم أفهم، وإلى الآن لا أفهم.  قالت:

- بعد زواجك ستفهمين أشياء كثيرة..

شردت لحظات. قلت:

- سأذهب كي أرعى النعاج.

- لا تذهبي!

- هل نتركها كي تموت؟

- سيخطفك السفاح يا قمر..

علا صوتي من أثر الغضب العارم، وقد بدا كالهزيم في الأثير:

- فلتأت أيها السفاح إلى قمر!

لم أهدأ حتى ذهبت لأترك نعجاتنا ترعى في الكلأ أمام منزلنا.  

ظللت أفكر طوال نهاري كيف أستميل ذلك السفاح كي يخطفني كما خطف سعاد ووردة؟

حل الليل. بدا القمر وضّاء كشمس صغيرة يحتضنها الظلام.   

خرجت في العراء. تنفست نسمات الليل الهاديء. شعرت وكأن نسمة في السماء تعزف لحنا. مددت ذراعي في الأثير، وهززت أردافي وأنا أغني على أنغام قيثارة حفيف الشجر. هبطت بنظرتي إلى الأرض. وقصدت أن أجعلها منكسرة ومتوسلة. حاولت أن أرسم  على شفتي بسمة رضا. وشعرت وكأن الطبيعة كلها تنظر نحوي باشتهاء. أين أنت أيها السفاح؟ عجبت وقد لمحت نعجتين يتركان الحظيرة ويتمعنان فيّ. بدت عيونهما على ضوء القمر الخافت  كحجري فيروز. لمحت فيهن عيون سعاد ووردة.


خالد عجماوي ٢٠٢١


...................


« القراءة » 


بعيداً عن فلسفة الجنوسة



هنا يقف الكاتب أمامنا كقراء، فيصيبنا بالدهشة عن سبق رصد وحنكة وتمرد، يثير جو القلق المحتوم والرعب السوداوي من قاتل متسلسل يصطاد النسوة فلا يعدن، ويصاب عقل القارئ ولهفته بالتوتر  بحثًا عن مخرج،لأن النص هنا هو تحد  عقلي هائل، فهو أبعد بكثير من نص حكائي عن جريمة غامضة بعنوان إيحائي بسيط. 

 فهو  صدمة فكرية لفهم تأثير الجنوسة  في معتقداتنا وثوابتنا، هل الأنثى هي سلعة الجنس والأمومة في حكم سيطرة مجتمعاتنا الشرقية وقوانينها فحسب؟ ،  وهل الأنثى بجسمانيتها؟ بتكوينها النفسي؟  ودورها في سلسلة التكوين البشري  مكون ناقص يسمح له بأدوار محددة تبرر تجاهه كل  إساءة ممكنة، و تقرنه بأدوار  الخنوع والانكسار والقبول،أمام تحيز الذكورة بهيمنتها وسطوتها؟  واقترانها بأدوار التسلط والاستحواذ والقمع؟ 

ولعل ذكاء الكاتب الشديد خلق  زمانًا ومكانًا مجهولين في إطار لجريمة قاسية(سفاح يختطف المتزوجات بغموض) تمارس كل يوم تجاه المرأة الشرقية بوصفها كسلعة أو غرض أو وعاء أو هدف لتبرير سلوك مغاير بطبيعته، فالسفاح ماهو الا الثوب الذي ترتديه المرأة بزواجها الحتمي اللا متكافئ فيسلبها كرامتها ويورثها الخوف من انفصالها عن زوج ظالم أو قاهر أو مستبد فيغتال إنسانيتها ويحولها  ل (لنعجة) مثل سعاد و ووردة ثم كريمة، وتلتف الخائفات ببعضهن في القطيع، لا لمواجهات الأنثى الفردية ضد المجتمع،  هذا سيخرجها من أي معادلة (حظيرة)،، لعالم مجهول.. بلا راعٍ.

 


لماذا لا يأخذ إلا المتزوجات؟ هل يغتصبهن؟ خطر لي أنه يختار الخائفات! 


ويأتي مشهد الأم المستكينة التي أورثت جيلا مقهورا ،مصابا بقبول الإهانة، معجونا بالذل، مستمتعا بسادية اختلطت فيها مفاهيم الجنسانية بفقدان الكرامة. 

فهل الأنثى من تبدأ هرم إذلالها وعبوديتها لنفسها ثم لأنثى أخرى، أم الذكر؟ 

ألهذا بدأت (قمر) بحثها عن السفاح؟ 


ظللت أفكر طوال نهاري كيف أستميل ذلك السفاح كي يخطفني كما خطف سعاد ووردة؟ 


أهنأ الكاتب الفذ على نص مذهل، استخدم فيه لغة دقيقة غنية بالدلالات، حيث الخطاب هنا موحٍ برفض واقع الأنثى المسحوقة والمعدومة، وجودًا وجوهرًا ورأيًا وحضورًا الا من نمطية توارثتها الأجيال الشرقية بلا توقف، وقد  أراد به أن يكون إضاءة قاهرة لإرساء دعائم القبول لاستكانة المرأة الضمنية من خلال شخصية قمر التي تبدو لنا من رقصها الطقسي أنها ستتمرد ولكنها وكما (أراد الكاتب)  ستلحق بالقطيع ضمن ارادة التخيير وليس التسيير. 

رغم ان معظم حركات التحرر النسائي ما استطاعت عبر التاريخ خلق هذا التوازن المقبول في رسم منهجية عادلة لإنسانية المرأة و وجودها  وكيانها المستقل في مجتمعاتنا المدانة بالذكَورة.  نبقى أن نتفق مع وجهة نظر الكاتب أو نرفضها. 


نص رائع ومميز 


دام الإبداع


كنانة عيسى ٢٧ فبراير ٢٠٢٢
















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية