زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

« قراءة » _ بقلم: الأديب / محمد البنا _ لنص « رعشة قلب » _ للقاصة / د. مي عبد الحميد عزت


 



السيمفونية الناقصة لشوبرت ورعشة قلب


« قراءة » بقلم: الأديب /  محمد البنا


لنص « رعشة قلب » 


للقاصة / د. مي عبد الحميد عزت


..............



~ النص ~



« رعشة قلب » 



كنت قد عزمت أمري منذ الصباح الباكر 

اعددت ملابسي التي تميل إلى الرسمية 

حاولت قدر الإمكان أن أخبئ بلونها الداكن فرحتي بملاقاته .. لا بل لتظهر انوثتي !! 

وبالإمس دفعت مخالفتين.. الاصطفاف في الممنوع والوقوف في صفٍ ثانٍ، وقد وبخني المصطف في الصف الأول أيضا، لكني لم اهتم كثيرًا فقد قضيت حوالي الساعتين أبحث عن حذاء بكعب رفيع لأريه كم أنا ثابتة الخطى رغم الزلازل التي تتابع علي من جلادة قسوته وكبره !! 

 حتى أني ذهبت لصالون التجميل وطليت اظافري باللون الأحمر القاني !! 

لكن رغم مساحيق التجميل التي وضعتها بشكل بسيط لم أحرص على أن أمحو الهالات الداكنة تحت عيني

وحدها نظراتي ستخبره بالقصة كاملة !! بكل التفاصيل الباكية في صمت  !! 

مشاعري تركتها تحت وسادتي حين استيقظت صباحا ، سأذهب اليه بلا رغبة في العودة من الماضي، سألتقيه وإن كان هناك مستقبل بعد رحيلي بألف عام !! سأترك ختمي على تقارير المصابين بالغدر حتى يتبعون ذات طريقتي في التعافي منه، فأنا من القلائل الذين قاوموا ولم يفلتوا زمام الأمور بعد النزيف المر !!  

 بعد أن حركت سيارتي التي  طلبت من حارس العمارة تلميعها جيدًا، لم احسب الوقت حتى وصولي مقر الشركة التي أصبح فيها مديرًا تنفيذيًا بسبب تزكيتي له عند زوجي !!  فقد رفعت من قدره عاليًا رغم أنه أفضل من أقرانه بقليل لكن !! شيءٌ ما في مسكته للقلم أو بريق عينيه  كان يثيرني !! 

ربما صوته العميق كعمق البحر كان يضربني كموج أهوج، لا أدري لكنه ربما كان يستحق أن أدعمه قبل فعلته المشينة !! 

أعرف أن قرابتي له لم تكن لتتأثر بأي ما كان أو سيكون لأن طفولتنا كان قوية التجذر في ماضينا الذي انقضى تمامًا، وغلقنا عليه كل السبل وأطفأنا كل مشاعل الدروب السرية إليه بأنفاسنا الملتهبة..نعم فعلنا ذلك بدون عمد!! أو بعمد فلكلا الحالتين ذات النتيجة، انتهينا فلا كنا ولا كان كما قالت فيروز

حين وصلت استقبلني حراس الأمن بحفاوة فمنذ سنوات لم أطأ بقدمي أرض الشركة.

في المصعد تأكدت من كل تفصيلة في مظهري حتى أني أخفيت جيدًا دقات قلبي المرتعد جبنا، ورأيت  حارس المصعد يرميني بنظرة خجلة، فلم يعتد عليّ أنظر في المرآة أتفحص إن كان الكحل في عيني ثابتًا كما هو أم لا !!

وقفت على بابه  الزجاجي استرق نظرة إليه، وكان صوته يأتيني كعادته زلزالًا لا يرحم، يبتلع كل الأمان في أرضي،

حسبت كل التوقعات لهذا اللقاء، إلا أني لم أحسب أن رعشة يدي ستمنعني من الدخول!



مي عبدالحميد  / السودان


...................


« القراءة » 



بادئ ذي بدء...أهنئك على إبداعك هذا..إبداع مذهل، بل وأعده أفضل ما جاد به قلمك على الورق.

كثيرا ما يقال لنا ..مصطلح السهل الممتنع، نسمعها وبعضنا يعرف معناها والمقصود بها وبعضنا يمضي عليها مرور العابرين، وهذا النص خاصة دفعني دفعا لأوضح للبعض ما يراد بهذا المصطلح، لا لشيء إلا لأن هذا النص يعد أنموذجًا حرفيًا مكتملًا بلا شاردة نقصان للسهل الممتنع..نص كل من يقرأه يشعر في قرارة نفسه أنه يستطيع كتابة مثله بمنتهى السهولة، حتى وإن كان لم يكتب نصًا من قبل، ولكن هيهات هيهات..لا ولن يستطيع حتى كتابة فقرة واحدة..لذا سميت هذه النوعية من النصوص بالسهل الممتنع..سهل في كل شيء..سهل في سرده، سهل في كلماته، سهل في تراكيبه اللغوية، سهل في فكرته وحبكته ومعالجته، فلا عقدة ولا حل ولا تقعر ولا استعراض، بسيط لا ألغاز فيه، منبسط أفقيا لا نتوءات، وممتنع لأنه متفرد بذاته، لا شبيه له ولا قرين، نص من فرط بساطته معجزٌ لغيره، فلا يكرر ولا ينحت.

امرأة احبت واعطت وغدر بها، دفعتها كرامتها المهانة للدفاع عن كينونتها، لتثبت لهاجرها أنها تجاوزته، أعدت كل شيء في سبيل ذلك، لم تترك خلفها شاردة ولا واردة ألا وأتت بها واخضعتها لحساباتها في سبيل تحقيق هدفها، لتتفاجأ في لحظة اللقاء وتفاجئنا انها غفلت عن الشيء الأهم ..الشيء الذي لا سلطان لها عليه..قلبها..قلبها الذي لا يزال ينبض بحبه لذلك الغادر، ولندرك متأخرين أنها منذ اللحظة الأولى كانت تتهيأ له وتتزين له ..ذلك الذي غدر بها، لكنه لم يغادرها للحظة.

فمنذ لحظة استهلال السرد ب (كنت قد عزمت..) عزمت اي انها قبل ذلك بأيام وليال تفكر، تفكر في من ؟..الجواب واضح.

ثم ( حاولت ان أخبئ فرحتي بملاقاته/ لتظهر أنوثتي)..بمن ولمن ؟..الجواب واضح.

ثم ( الاصرار على ارتداء حذاء ذي كعب عال..لتريه انها ثابتة الخطى)..تري من ؟...الجواب واضح، وتتوالى الاستعدادات ودائما الجواب واضح، لم تنسه للحظة رغم غدره بها، والجواب أيضا واضح..أنها تلك المضغة التي بين جنبيها، ولا سلطان لها عليها.

من استمع للمعزوفة الشهيرة ( السيمفونية الثامنة الناقصة للموسيقار /فرانز شوبرت) لا شك لدي أنه سيربط بينها وبين الايقاع السردي لهذا النص المدهش حتى في موسيقاه الداخلية كأنه قصيدة نثر معزوفة بمهارة ذراع كمان..فمن ( كنت / عزمتأعددت..مرورا ب..حاولت/ فرحتي/ أخبئ أنوثتي..إلى..الاصطفاف/ الممنوع / الوقوف) وهكذا يتكرر ذات الايقاع الموسيقي في كل فقرة من بداية النص وحتى الانسحاب المميت( خفوت الصوت نهائيا بعد انفجار رعشة قلب مدوية) في خاتمة النص.

ولشد ما أذهلني في هذا النص خاتمته، مذهلة على بساطتها شأنها شأن المتن نفسه من بدئه حتى انتهائه..خاتمة بسيطة وعفوية لكنها رهيبة وصادمة وقاسية..لبطلة النص ولنا كقراء، خاتمة جعلتني أعيد فهمي لمغزى النص بإجباري على قراءته مرة أخرى لأعدد ما عددته وانتهي إلى ..جواب واضح.



••••••••



محمد البنا ١٩ أبريل ٢٠٢٢










عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية