« السمك الذي لم تأكله أمي »
أذكر أن أمّي اشتهت سمكًا، بينما أتعارك مع الحبل السرّي، أُحاول خنقه برقبتي.
لم تأكل أمّي السمك، بلعت الكلمات التي كانت تتقافز على لسانها؛ تودّ الهرب
"نفسي في سمك يا علي"
اختنقت معدة أمي بالخوف لا السمك.
سال لعابها.. ومريضٌ أبي، جافاه القرش وأطال الغيبة، تحرّجت أمي فكتمت نار الوَحم بأحشائها.
أفاق أبي.. هكذا كما يفزع مَن داهمَته امرأته، تَزغده شاهرةً بوجهه رسالة مِن "كيكي الميكانيكي" مفادها لتنعم بلَيلَة ممهورةٍ بقلبٍ دامٍ مشروخ.
دَب النشاط في جسد أبي.. عاد للعمل..
تَسلقت رائحة السمك تدعس جوفها بجهدٍ حثيث، وسرعان ما نفرت خياشيم أمي وقد اشتعلت برائحة سمكة مشوية.
همّت تطلب.. مات جدّي!
ارتدت الأسود وأهملت الكحل، وأسدلت المصلّاة على التلفاز الأثير.. أعلنوا الحداد، بسطت العادة يدها على البيت، ذبحوا الابتسامةَ على مفرق الشفاه، ممنوع المحشي. .ممنوع الطبيخ.. "نتفضح لو كلنا سمك"..
لم تأكل أمي السمك، امتلأت معدتها بالحَرج.
سرَق القدر الوقت، ووضعتني أمي بلا سمك.
تَحسّستني مرارًا، تدق نظراتها في جسدي باحثةً عن الوَحمة.. لم تجد الوحمة، كانت هناك، أقرب ما يكون للنظر وقد كست ذاكرتي..
أنا لا أطيق خصام أحد، أكره العزلة، أهرب مِن الفراغ الذي يَلفّني، يطويني بداخله، يعتصرني لتخور قواي فيأسرني، يزهدني، يفرّط فيّ، يبيعني لنخاس الحزن السادي، ذاك الذي يدفعني بامتهان خلف قضبان الوحدة الغليظة القاسية الباردة، الخشنة كحراشيف السمك.. السمك الذي لم تأكله أمي وقَبع في ذاكرتي.
أتذكّر يومًا بشتاءٍ حارق للدفء، مسيلٍ للرشح، محيل أنوف كل الأطفال -ب فصلي -لكتلٍ من الالتهاب، شتاء غاضب حاقن للدماء بقرص الشمس
أرتكِز على مقعدٍ خشبي متداعٍ بساعدي الذي يسوّر رأسي المطرِقة، أحاول بها مِن وضعية، لتفادي أن يتنمّر عليّ أحدهم أو المدرّس لمّا يرى أنفًا صار حنفية تقطر الزكام بانتظام، وأنا لا أملك منديلاً، وقد استهلكت كُمّي حتى الأساور في تجفيف ذاك النهر اللزج المعيب كما جرت العادة.
العادة أطلت بوجهها مرة أخرى، وخشيت أن أعلن عن عجزي في سد العيا بمنديل ثمنه جنيه ونصف. أبي لم يكن يملك الجنيه والنصف، كان طريح العوز بعدما سَرّحه القدر، استحييت أن أطلب منه، ونَشقت مخاطي كثيرًا كي لا أبدو هبيلاً، كان مُرًا صاحبته غصّة، غصّة كالتي انحشرت في روحي عندما تعامدت العيون عليّ، وامتزجت القهقهات الكريهة، وتدلت السبابات تشير إليّ.. خاصمتهم.. فارقتهم.. تحاشيت الهواء الذي قد نتقاسمه.
رحل الضيف الثقيل، غار البرد وجف نهر المخاط. وعدتُ أيوبًا بعدما عاد، ونسيت فيما كان الخصام، ولاحت في الأفق مخالب الفراغ، أبيت أن أصالح.. انغرستْ في لحم روحي أظافر الفراغ التي مَلّت جواري، باعتني بالبخس لنخّاس الحزن.. وبدورِه "شاطني" خلف قضبان الوحدة، تلك القاسية الباردة، الخشنة كحراشيف السمك.. السمك الذي لم تأكله أمّي واحتل ذاكرتي!
