ليلة العيد"
كلما اشتريت حذاء جديدا، لي أو لأحد من اولادي، أبحث فيه عن تلك الرائحة العالقة بذاكرتي، من حذاء العيد الراقد جنب رأسي على وسادتي في ليلة العيد ننتظر الصباح.
أبدًا ما وجدتها، أو مايشبهها.
الغريب أن حذائي هذا، ماكان معه لكسوتي للعيد إلا بيجامة، مازلت أنتظر غيرها، لكن عندما أعلنت السيدة أم كلثوم عن حلول العيد، أيقَنت فطرتي البسيطة أنه ما من شئ إلا هذا الحذاء، وتلك البيجامة الكستور المقلمة بالطول، التي حاكتها أمي بيديها الماهرتين لي ولأخي الأصغر، على ماكينتها الأسطورية ذات البدّال لقدميها وطرقاته المنتظمة، وكأنها قطار فحم عتيق, فقد محطة الوصول.
لم يرحم قلبي الصغير، رقدتها متعبة بعد شهر شاق ويوم طويل، أتكئ علي ظهر سريرها، فوق رأسها أبكي:
( أنا مش عايز البيجامة، أنا عايز بدلة العيد)
تحاول أختي الأكبر إسكاتي جاهدة:
لدينا ميت في البيت عند قريبتنا وجارتنا، لا يجوز الابتهاج، أو أي مظاهر للفرح.
أنام مهزوما ودموعي تغرق وسادتي، ساخطًا على قريبتنا التي حرمتنا من كل مظاهر الفرحة بالعيد، حتى من اللعب والسهر عند فرن عم احمد، الذي يخبز لنا كحك العيد, رائحة الخبيز ودفء الفرن, الجري واللعب في الشارع مع إخوتي من أبناء الجيران والأقارب, سباقنا مع الترام والأتوبيسات, منطقتنا لا تهدأ, الصخب والضجيج حتى الصباح كل يوم تدافع الناس تسابقهم لقضاء حوائجهم المتواضعة حتى فجر العيد.
كانت رائحة حذائي الجديد هي مؤنستي هذه الليلة فقط.
أصحو على صوت أبي الذي كان ساهرا في عمله, دائما يسهر في عمله، أحضر معه كحك العيد خلسة، بعيدا عن أعين الجيران، كان رده على نظرات أمي اللائمة (العيال مالهمش ذنب)
يغتسل, يستعد ليصحبنا لصلاة العيد، أهازيج ومرح الأطفال في الشارع، أفتح عيني المثقلتين بالهم، فقد سرقوا مني فرحتي ، لم يشفع لأمي عناقها لي أو إغراقي بالقبلات، وأختي الكبرى مشغولة بالمكواة في عجل: ( اخلع ياللا البيجامة علشان تقيس بدلتك الجديدة)
طار قلبي من الفرح، بذلتان لي ولأخي الأصغر بنطال قصير وسترة جميلة ياقة عالية وكسرتان من الخلف, سهرت أمي تحيكهما طوال الليل.
ابتهجنا، وصحبتني أمي للشقة التي تحتنا، تزور قريبتنا الحزينة المكلومة لجبر خاطرها، لكن لست أدري لمَ لدغتني أمي لدغة بكيت على أثرها، لما قلت لجارتنا: تَانت، تَانت،
إحنا عندنا كحك العيد.
مع
جمال الشمري
