« ائتلاف »
بعضُ الأرواح لها وسامةٌ وعبقٌ يُغالِبانِ جمالَ الملامح، لحظةَ ما تلتقي بها تمْلِكُ عليك حواسَّك، تأسِرُ جوارحك، تنتشي بحديثها تماما كما يُنشيكَ صمتُها الساحرُ بصخب التخاطر، تنفتِحُ لها مغاليقُ نفسك وأسرارُ قلبك، تمتد بينكما جُسورٌ من الأمان والارتياح وكأنَّكما تلاقيتُما منذ الأبد، لا تدري أيُّ عاطفةٍ منك تتَّجِهُ ثَمَّ إلى تلك الروح، لكنها عاطفةٌ أسمى وأصفى من الحبِّ والهوى وحتى الشغف.
فإن طَالَعتَ ذياكَ الإهابَ الذي يُجسِّدُ تلك الروح وجدتَ الجوهرَ ماثِلاً على سطح المخبر، وهذا الجمال في الباطن ينسحِبُ بلُطفٍ فوق الظاهر، ابتسامُها جَرعةُ تفاؤل، تَجهُّمُها لا يسوءُكَ بقدر ما يبعثُ على التعاطف والتضامن، وإن تلاقتِ العيونُ هُنيهةً فكأنَّكَ ترى الدنيا بأسرها في حدقةٍ لامعة برغم دُكْنَتِها، نافذةٌ هي نفاذ البصيرة، لها وَقْعٌ في القلب تماما كما تقعُ قطرةُ شهدٍ على طرف اللسان فتحلو بها الجَنان.
تِلكُمُ الأرواحُ لهُنَّ وجوهٌ كالبدور في السماء، حانيةٌ هي أخلاقُهنَّ كما خَلْقِهن، فإن جمَعكَ القدرُج بإحداهِنَّ فاحرصْ على ألَّا تُفارق، واستمسِكْ برغم كل فارق، وإذا تذوقتَ قدْرَ النِّعمة فاشكرْ حتى لا تزول، وإذا شعرت نعيما في حضرتها فانهلْ وتَمَنَّ أنْ يطول، هذه الأرواح كأنها سكينةٌ وسكن، تُؤويك من هجيرٍ وتشدُّ عضُدَك عند بلوغ الوَهَن، تروي ظمأ السنين كأنك في كنَفِ واحةٍ نزلتَج بها بعد أسفار الزمن، ظلٌّ ظليلٌ هي لا تُقدَّرُ بثمن، طوبى لمن جادت له أقدارُه بواحدةٍ فاستوتْ بها الحياةُ وتَيَقَّنَ أنها فضْلٌ من أجَلِّ المِنَن.
•••••••••
سيد عفيفي
