التمثال
*******
أخيراً خرجَ ماركو .رآه الناسُ مع زوجتِه المجنونة باولا، يجران عربتهما الخشبيةِ المتهالكةِ. يحملان فوقها ذلك الشيء الضخم، الذي وارياه بقماشٍ أبيضٍ قذر.الكل ُيعرف أن ماركو نحّات، وأنَّ ذلك الذي يخفيه، لابدَّ أنه التمثال الحجري، الذي طلب المجلس البلدي من ماركو نحته.سيضعون التمثال فوق النافورة التي في مركز البلدة .اقترح أحد أعضاء المجلس أن يكون التمثال على شكل امرأة لتمجيد دورها في المجتمع.ورشح ماركو أن ينحته.مقابل مكافأة مالية زهيدة.
كان ماركو يجر العربة ميمماً مبنى البلدية، وزوجته الحافية تذود عنه الصبية الذين راحوا يتحرشون بالعربة،ويحاولون بفضول شيطاني معرفة ما تحت الغطاء الأبيض .أخيراً أفلت واحدٌ منهم فخطف الغطاء وهرب ، لحقه ماركو لكنه لم يدركه فاكتفى بوصف أمه باقذع الكلمات .
عاد ماركو إلى العربة لكنه تفاجأ بذلك الصمت الذي خيم على الناس في السوق. ورآهم يتكأكأون حول التمثال، وهم ينظرون إليه بانبهار وعيونهم تلمع إعجاباً به .التفت ماركو إلى تمثاله وانتقلت إليه عدوى الاندهاش وكأن به يشاهد تمثاله لأول مرة .قال بصوت لابد أنه كان مسموعاً _( أنت بارع يا ماركو).
وضع التمثال أمام أعضاء المجلس البلدي وتصنم ماركو وزوجته بجانب التمثال يكتمان فرحتهما التي تسللت من عينيهما على هيئة بريق فاضح.وأحتشد الأهالي خلفهما كأنهم هم من نحتوا التمثال .
قبل أن يتكلم رئيس المجلس. خرج البيرتو النحات وهو واحد من أعضاء المجلس وأخذ يلطم جبهته بباطن كفه ( هذا اعتداء على فن النحت. لا يجوز أن نسمي هذا تمثالا ) ثم التفت إلى باقي الأعضاء وقال: _( قلت لكم لا تتركوا الأمر لماركو) ثم غادر مغاضبا بعد أن شق طريقه بين الحشود.
خرج دانيال الشاعر وجعل يتأمل التمثال طويلاً ثم أشار بغليونه إلى عيني التمثال ( لا يمكنك أن تضع عينين من زجاج لتمثال حجري هذا خطأ ) طأطأ ماركو رأسه لكن باولا تدخلت: _( إن أجمل ما في هذا التمثال عينيه.أنظر كيف تذوب المدينة وسماؤها فيهما )
لكن بيبيتو تدخل هو الآخر، وكان يمتاز بالسخرية شأنه شأن كل رجال المدينة ( لماذا هي عملاقة؟ هذا يجعل منا نحن الرجال اقزاماً إذا ما مررنا بجانبها .أنت تحرجنا يا ماركو ) وقال ليناردو الطبيب (وهنا خطأ تقع فيه يا ماركو إن التركيب التشريحي للإنسان لا يمكن العبث به بهذا الشكل. هذه إمرأة مبالغ في أنوثتها .أنت ستحبط نساء البلدة نتيجة جهلك في علوم التشريح )
تنحنح رئيس البلدية واقترب من ماركو، وتأبط ذراعه كأنهما صديقان ( يا ماركو لقد طلبنا منك تمثالا لإمرأة تسير على الارض وتأكل الطعام .وأنت نحت كائناً أُسطوريا له جناحان .سنعتذر منك يا صديقي .لا يمكننا أن نقبل بهذا التمثال ).قال ماركو وهو ينقل بصره بينهم وبين التمثال وزوجته النحيلة ( والمكافأة؟ .لقدأنفقت نقودي وعافيتي على هذا التمثال ) قال الرئيس ( ربما لو قمت ببعض التعديل لحصلت على مكافأتك)
لم يتردد ماركو لحظة واحدة.التقط فأسا كان يحملها أحد الفلاحين .وراغ على التمثال يحطم جناحيه، ويقتلع عينيه الزجاجيتين. ثم ظل يضربه بالفأس حتى انفض الناس من حوله وقد ساءهم ما يفعله ماركو بتمثالهم. لم يبق الا هو والتمثال واعضاء المجلس البلدي . الذين ضحكوا بملئ أشداقهم ورموا له قطعاً معدنية، راح يلتقطها من على الأرض وهو ينظر إليهم كأنه استقللها .فتركوها كلمة في أعقابهم ( هذا كثير على تمثالك المسخ ).نهض ماركو من ركوعه وشاهد باولا عند التمثال تصرخ كأنها حيوان ذبيح .
بعد عام خرج ماركو من بيته .كان وحده هذه المرة ولم تكن معه باولا. كان يجر عربته التي تحمل تمثالا صغيراً الى المجلس البلدي.ولحقه كل من شاهده بهذه الهيئة .كان التعب والسهر يرسمان دوائراً سوداء حول عينيه، تجعلان منه رجلا مجنونا .
رفع الغطاء عن التمثال الجديد وصرخ الجميع بصوت واحد ( إنها باولا ) قفز البيرتو من بينهم وراح يتلمس التمثال ويضحك بجنون ( هذا ما أسميه تمثالا حقيقيا ) تقدم الشاعر وراح يدخن غليونه عن رضى .والطبيب اخذ يشد شعره من الإعجاب .(ما هذا يا ماركو؟ يبدو أنك درست كل كتب التشريح .هذا لا يعقل إن هذا التمثال يكاد ينطق كما لو أنه إنسان حقيقي) .
خرج الرئيس وجعل يقلب بصره بين ماركو والتمثال ( أين زوجتك يا ماركو؟)
قال ماركو بارتباك( لقد هجرتني، وتركت مدينتكم منذ تلك الليلة )
صرخ الرئيس مرة أخرى ( هل قتلت زوجتك يا ماركو؟) لكن ماركو لم يجبه لأنه لم يتوقع مثل هذا الاتهام الصريح.فاستطرد الرئيس ( ايها الناس متى شاهدتم باولا زوجة ماركو آخر مرة؟ ) تعالت الهمهمات وتحولت الى هتاف وضجيج ..فاسكتهم الرئيس بحركة واحدة من يده ( أنت لم تنحت التمثال. بل بنيته مستخدما جثمان زوجتك. أيها المختل المريض ) تعالت الهمهمات من جديد وتناول الرئيس شاكوشا وأراد أن يهوي به على التمثال. لكن ماركو استوقفه وخطف منه الشاكوش ولوح به في الهواء ( لا تقتربوا من تمثالي والا قتلتكم جميعا.. أنا نحته بيدي هاتين ..لماذا لا تصدقوني؟ )
لكنه لم يكمل تهديده حتى تفاجأ بتلك الحجر تصطدم بمؤخرة رأسه. التفت ليشاهد الحشود الغاضبة من خلفه ترجمه. ثم ما لبثوا أن هجموا على التمثال ليهشموه بأدواتهم .الغريب أن ماركوا لمح من بين الجماهير الغاضبة زوجته باولا .كانت تشاركهم بتحطيم التمثال.كان يريد أن يخبرهم بذلك.لكن التمثال كان وقتها قد تحول إلى تراب.
*****************
Ali Alkhresheh

قصة جميلة
ردحذفقصة جميلة
ردحذف