زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة في رواية "اللامسمى" _ بقلم: أ. علاء طبال


 



مراجعتي المتواضعة لرواية "اللامسمى


لـ"ـصعلوك العدم" و"رائد المسرح التجريبي" 


الحاصل على نوبل للآداب سنة ١٩٦٩ "صمويل بيكيت".



- العنوان: مناسب للقصة؛ لأن الراوي البطل الذي ضاعف نفسه بمخاطبة الأنا أو الأنت (أسلوب مضاعفة الراوي) هو صوت لا يصدر عن أحد وإنما يصدر عن نفسه، ينطلق من نقطة إلى أخرى خبط عشواء، ويسهب في النقطة التي يتناولها إسهاباً كلما طال زاد غموضه.

اللامسمى عنوان لقصة لا طائل من وراء كتابتها ولا جدوى من انتهاج "نظرية موت المؤلف"¹ في دراستها.

اللامسمى هي قصة كتبت نفسها دون سبب إلا ملأ الصفحات لأن الصوت يملي على القلم محتواها، ولأن الصوت يجب أن يستمر بصرف النظر بماذا يستمر؛ ويتضح ذلك في العديد من صفحات الرواية وأبرز مثال الجملة الختامية للقصة: "لا بد من المواصلة، لا أستطيع المواصلة، سأواصل."


- الغلاف: مصمم باحترافية فهو يختزل الخراء الذي ضيعت وقتي الثمين عليه.


 عدد الصفحات:

أ- الكلية: ١٦٢

ب- الفعلية ١٤٤


سنة النشر: ١٩٥٣


🗃️مذهب القصة الأدبي: أدب العبث، خيال نفسي.


🗒️أبرز التقنيات الأدبية المستخدمة:

أ- السرد المتسلسل.

ب- الراوي البطل (الصوت البطل).

جـ- مضاعفة الراوي.

د- المونولوج.

هـ- الراوي بضمير المخاطب (مخاطبة القارئ). 

بيكيت من أفضل الكتاب الذين يستخدمون المونولوج ومضاعفة الراوي.


• اللغة والوصف والسرد: لغة مهلهلة كثرت فيها الضمائر، وانتقل بيكيت بينها بفجاجة (أسلوب الالتفات في اللغة)، ويستحيل على أي قارئ نبيه فطن - مثلي - معرفة إلى من تعود، هل هي تعود إلى جماعة من البشر أم تعود إلى امرأة أم وأم... إلخ، لغة ضعيفة أدوات الربط فيها تصيب القارئ بالدوار والإسهال الشرس، لغة شاحبة تقرأها فتشعر بأنك لم تقرأها؛ لا أعني بكل ذلك أن الترجمة سيئة بل لغة النص الأصلي مربكة شأنها كشأن جميع لغات مؤلفات بيكيت، لكن ما يخفف من إرباك القارئ في بقية أعماله هو وضوح الفكرة أكثر، والروح المبثوثة التي سترغم القارئ على التعاطف مع الشخصيات (الشخصية النحن الأنا المتعددة الأقنعة في أدب بيكيت)، ومن نافلة القول الإشارة إلى أهمية رسم الشخصية ولا سيما في الآداب الحديثة، وأدب بيكيت يصنف ضمن "أدب الحداثة".


🗣️الحوار: لا يوجد حوار هنا؛ لكن بما أن مضاعفة الراوي هو الأسلوب الأبرز في السرد القصصي في هذه القصة فمن الأحرى القول بأن الحوار مدغوم في السرد؛ لذلك ما ينطبق على اللغة من سمات ينطبق على الحوار.


🧑🏻‍🤝‍🧑🏻👫الشخصيات: لا يوجد في هذه القصة شخصيات بل أصوات منبثقة عن صوت مدفوع برغبة الاستمرار في التحدث، وخلق أحداث غير مفهومة وطرح أسئلة تلغي وجود كل شيء إلى درجة إلغاء نفسه.


• الحبكات: بالنسبة لي لا أستطيع تصنيف هذا الكتاب كرواية ولا كقصة لأنه لا يوجد حبكات أصلا!؛ "عنصر الحكائية" مفقود وقد انمحى نتيجة طغيان عنصر الوصف على كل شيء.

يضمن توافر عنصر الحكائية التدفق السردي والتنقل السليم من حدث إلى آخر، أما هذا الكتاب يتوافر على حدثان لا ثالث لهما: الشروع في الكلام لمجرد الكلام لأن الكلام يجب أن يتدفق بأي ثمن كان، الإحجام عن الكلام للانتهاء إلى الشروع فيه، وما يربط بين هذان الحدثان فجوة من الوصف الممل الكريه.


🎞️القصة باختصار: تشكل هذه الرواية خاتمة "ثلاثية بيكيت": مولوي، مالون يموت، اللامسمى - قرأت مالون يموت سابقا -؛ هي امتداد لهما، فبطل مولوي عجوز ينتهي بالشلل والعجز عن كل شيء إلا الزحف، ثم ينتقل هذا المولوي إلى مالون الخرف الآخر الذي يحتضر وسط هلاوسه وهذياناته التي تستحضر قصته بأسلوب "سيل الوعي" (تيار الوعي)، ثم يتحول مالون المائت - بحسب ما فهمت من هذا القيئ - إلى صوت.


                ــــــــــــــــــــــــــ

                  بؤس الفلسفة

       عندما تلتقي العبثية² بالعدمية³

                بمضاعفة الراوي


من الأهمية بمكان الالتفات مرة أخرى إلى فشل "نظرية موت المؤلف" في التعامل مع هذه القصة ودراستها، والإشارة إلى أن ما دفعني إلى مراجعة هذه القصة - التي كانت ثقيلة على قلبي - هو هذه الفقرة لا غير.

لكي تفهم أدب بيكيت عليك بدراسة سيرته الذاتية، وإلا لن تتمكن من سبر غور مؤلفاته السبر الدقيق، والآن سأقارن بين مجموعة من الأحداث المفصلية في حياة بيكيت وبين مراحل الانتقال بين قصص الثلاثية: من المعروف أن الحدث الحاسم في حياة بيكيت ومسيرته الأدبية هو عزوفه عن التدريس وإعطاء المحاضرات الأدبية لطلبة الجامعة، لشعوره بالخواء والفراغ - بحسب تعبيره - أي لشعوره بالعبث واللاجدوى من هذا العمل الذي لم يخلق له، لذلك اعتزل الناس ولما اعتزلهم بدأ بالكتابة.

وهذه العبثية التي حاصرته انصب جامها على لاجدوى حياته في البداية، وعندما غيرها ظل أسيرها؛ فحدس بأن السبب لم يكن فقط موقفه الفردي الوجودي كإنسان فرد إزاء المجتمع ودوره فيه، بل موقفه أيضا من العلائقية بين الإنسان والمجتمع والطبيعة والخالق في المزاوجات الصرفة بينهم؛ وانعكس ذلك على أدبه ولا سيما رائعته "في انتظار غودو"⁴ الذي ظل بيكيت حتى يوم وفاته يبحث عنه؛ سألته عجوز - بعد سنوات من كتابتها - التقت به مصادفة في أحد شوارع لندن قالت له: هل وجدت غودو؟ فأجاب: لا، ما زلت أنتظره.

وظل يرسف تحت أغلالها إلى أن تحول من العبثية إلى العدمية؛ هذا لا يعني أنه لم يكن عبثياً لما صار عدمياً، بل يعني أنه بلغ مبلغ العدمية في عبثيته، وبالرغم من أن العبثية ليست مرادفا لغويا أو فلسفيا فكريا للعدمية إلا أنها برأيي ترتقي بمعتنقها إلى أن يصبح عدميا، وهذا الارتقاء الفكري يظهر جليا في الثلاثية؛ فمولوي - بحسب ما قرأت عن الرواية لأنني لم أحظَ بقراءتها بعد - عبثي ممتعض من موقفه إزاء المجتمع - أي كبيكيت لما قرر اعتزل الناس - ثم استحال مالون، الذي شابه بيكيت في تعمق شعور العبث لديه، ثم استحال إلى صوت، عدمي ينكر كل شيء حتى نفسه!

أما قناة الاتصال بين مراحل التطور هذه سواء على صعيد بيكيت أو على صعيد الثلاثية هي تقنية مضاعفة الراوي؛ العبثي سيسائل الأنا الأنت غير المعروف - الذي قد يكون القارئ أو نفسه النكرة غير المعلن عنها أو مجهول ما أو أو... إلخ - عن ماذا ولماذا فقط وسيهمل الكيف، وهو بذلك يتخفف من ثقل المسؤولية؛ لأنه بهذه التقنية سيحافظ على توازنه النفسي من خلال الإحساس الدائم بالمظلومية ورمي ثقلها على شماعة كبيرة هي الله أو الآخرين أو كليهما، إما بجعلهما الأنا الأنت المجهول أو بجعلهما محور الحديث والتجريح مع الأنا الأنت المجهول.

ومن النافل ذكر أن المضاعفة ستشتد غموضا مع الوصول إلى العدمية.


تقييمي للقصة:

٠/١٠

لكن هذا لا يعني أن بيكيت كاتب لا يستحق القراءة؛ أليس هو صاحب ملاحم "في انتظار غودو" و"نهاية اللعبة" و"الحب الأول" و"مالون يموت"؟


  علاء طبال

ــــــــــــــــــــ


¹: نظرية نقدية بنيوية وضعها العلامة الفيلسوف رولان بارت.

تحيد هذه النظرية النص الأدبي عما تسميه "العوامل المشتتة" (الذاتية، اللاموضوعية) وذلك بدراسة وتأويل النص الأدبي بعيدا عن كاتبه ودوافع كتابته، وبالاعتماد على لغة النص ومدلولاتها فقط، وتشكيل معنى لها بناء على فهم القارئ.

وهذه الكيفية من التعامل مع النص الأدبي بحسب بارت ومريدو نظريته تضمن النقد الموضوعي الصادق للنص، بعيدا عن سطوة الكاتب الأدبية الفنية.

²: العبثية باختصار شديد فلسفة ترى أن الحياة ليس لها هدف وأن الكون أوجد نفسه بنفسه عن طريق الصدفة السيئة.

³: العدمية باختصار شديد فلسفة تنكر وجود كل شيء إنكارا ماديا وفكريا، وقد تصل إلى إنكار نفسها.

⁴: غودو في المسرحية مثلما رأى العديد من النقاد والأدباء يشير من ضمن ما يمكن أن يشير إليه إلى الله.

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية