الراكضون إلى باب الله تحت جُنح الظلام، يرتُقون ثوب الليل بأثير أصواتهم الخافتة في السماء، حيث القلوبُ مشرَعةٌ إلى ترائبها في ذؤابة ترحالها إلى الله، كأنما تستشرق النهار الوليد من لِباس الليل الوامض حياةً تنسلُّ إلى هجيره من يدي الله المبسوطتين..
نسمةُ الهواء التي تعبر إلى وجهك هُنيهةً في نهار صيفٍ شديد القيظ، تدنو شمسُه من أمّ رأسك..
بسمةٌعابرةٌ تقدُّ اكفهرار وجهك وأنت ملبَّدٌ بالغضب..
عصفورٌ طليقٌ يشقُّ الأفق؛ ليقفَ على حافة صباحك حاملًا إليك رسائل الله عن الحرية والجمال وسَعة الدنيا وشسع الكون أمام الضاربين في أرجاء البسيطة..
صوتٌ يتتعتعُ بالقرآن في زاويةٍ من بيتك، يذكّرك بسني عمرٍ غضّةٍ بدأتَ من ربيعها تزيح الستار عن رحلتك في لَوح الغيب؛ لتعتريك تقلبات بقية الفصول..
سرورٌ تُدخله على عجوز، معروفٌ تسطره في كتاب قيامتك، فضلٌ تدخره لذي فضلٍ، ضحكةٌ تستنطقها من بؤبؤ الأسى تهديها لمُوجَع، وكلمةٌ تستنهض العزائم الفاترة القانطة..
طفلةٌ تهرع نحو الباب، لأن طيفك -طيفَ أبيها- بدا لروحها من وراء حجاب. دبيبُ خطواتها الوئيدة تجاه موضعك، والتي تتدفق إلى قلبك متحسسةً موضعها بين دفتيه. أناملها الوضّاءة التي ترسمك عالمَها فوق ورقها المزركش بتفاصيل البراءة. مُحيّاها الذي يغشاك كما وطنٌ تلوذ إليه بعد سفر طويل شرعتَ إليه بلا رحيل. فستانها المطرّز بسحر الطفولة فيها، وضفائر شَعرها المتدليةُ من فراديس السماء؛ كأميرةٍ من العصور الوسطى جاءت إليك من بين سطور إحدى الروايات القديمة..
سبّابةُ قعيدٍ انتصبتْ -في ذاكرة غيابه- لتلامسَ سقف السماء؛ لتكون صلتَه بالأبدية التي لم يبرح متون الله فيها، بيد أن لسانه شرع يُتمتم بها في غير تلعثم؛ كأنما كان قلبه يرسلُ إليه الكلام مع خفقانه..
نافذةُ بيتك المطلّةُ على شجرة تناطح السحاب، وتتدلى جذوعها على أحد جدرانه، فتلتصق به منصتا إلى حفيف الهواء بالجذوع والأوراق، مستنشقا نقاءه، ومستشعرا ظله..
مقطوعةٌ معتّقةٌ بين أوتار قيثارةٍ تُضرمُ جذوةَ الإحساس في فؤادك، وزفراتُ نايٍ باكٍ تنتشي بحزنك فوق ثرّياتِ روحك..
الصاعدون إلى الله يرتّلون سورة الأمل على مسامع ذويهم، ملقين بذور الكلام لتُنبت في حدائق الله فرحا..
ليست مجرد حركاتٍ وسكناتٍ.. ولا محض كلمات وعادات.. إنها وجه الله في هذا العالم، روح الله في الأرض.
•••••••
الكاتب: "إبراهيم محمد"
