زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

برنامج « تحت ضوء الشمس » يتناول كل شهر " قصة من أرشيف الواحة " _ إعداد وتقديم: الأستاذ: محسن الطوخي _ والأستاذة: الزهرة الصالح


 



من أرشيف الواحة


« تحت ضوء الشمس » 


الأديب: علي عبد الرحمن الحديثي ....


 ( علي الحديثي )


_________________


 

علي الحديثي،  كاتب عراقي من مواليد مدينة بغداد. وهو من الرواد الذين رافقوا الواحة في بداياتها. أسهم بقسط  وافر من النصوص القصصية، منها : ( الأسيرة / رغم أنفك أيها الموت / التماثيل الساخرة / الشاي / الكلب الذي أكل البشرية / اللوحة / وجهي / اليد الخفية / ثوبي الجديد / جوهرة الصحراء / دخان الكلمات / ذات ليلة / عمي عزازي / عندما يسكت زوربا / أفاع وزهور / فوضى القبلات / فوق المصطبة / في المنتزه / لا يستطيع النوم / لماذا اغتيل / مثل ذلك / هي تعلم متى أنام ...... )

 علي الحديثي عضواتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، بدأ كتابة القصة القصيرة منذ عام1995، فازت قصته القصيرة "عندما يسكت زوربا "بالمركز الأول في مسابقة  دار ضاد للطباعة في مصر عام 2015، وفازت روايته  "ارفعوا صوت التلفاز" بالمركز الأول مناصفة في مسابقة رابطة الشعراء العرب للرواية العربية عام 2017.


مؤلفاته:


1- رواية المعبث.

2- رواية ذكريات معتقة باليوريا.

3- عندما يسكت زوربا

4- رواية جئت متأخرا

5- رواية ارفعوا صوت التلفاز.

6- مثل ذلك.

7- رواية ذكرأة.

(المعلومات الواردة مصدرها موقع ويكيبيديا ) 

أقدم اليوم لأصدقائي ثلاثة نصوص قصصية لعلي الحديثي

مع أطيب تمنياتي  بقراءة ممتعة.


________ 

 

1 - اليد الخفية


قصة قصيرة / على  الحديثى

نشرت في الواحة بتاريخ 7 فبراير 2017


نبتة صغيرة.. لا يعرف من.. أو كيف زرعت على أرضه الجرداء؟.. أغمض عينيه.. أطبق شفتيه، وراح يعدو بين ظلماته، لا يبالي بجثث الأشباح الملقاة بين جفنيه وهو يتعثر بها.. لعله يجد اليد التي زرعتها.. صرخ وهو مطبق شفتيه.. بين البيوت المتشققة الجدران لتخرج منها رؤوس الشياطين ساخرة منه.. بحر كان مرآة لأفكاره الأفعوانية.. كم طوله؟.. ما عمقه؟.. لا يعرف سوى انه كلمة من ثلاثة أحرف مرعبة في ترتيبها هذا.. تلاوى مع أمواجه.. غاص في لججه بحثاً عنها.. أدرك الغرق مرات ومرات.. في كل مرّة يد تُمَدّ لإنقاذه، حتى وجد نفسه في قارب صغير.. من أتى به؟ من ألقى به في القارب؟.. لا يعرف.. لا يعرف.. يد أنبتت النبتة.. أنقذته من الغرق.. جاءته بقارب.. تملّكه الذعر، هي التي يبحث عنها، وهي التي معه في كلّ مكان.. أدرك أنها يد لا تُدرَك.. الهواء الذي يتنفسه ولا يراه.. روحه السجينة ويحيا بها.. الغد المجهول الذي يرتعد منه.. استسلم لها استسلامه لهذه المخفيات.. عاد بعدما سار بِيداً من الكلمات، لو سئل عنها اليوم لم يزد على:

- لا أعرف!

عاد وهو يحاول أن يطأ خطواته التي جاء منها، بعد ليالٍ افترش فيها الحصى.. وتوسد الأوحال، ملتحفاً بالتراب الذي اصطبغ بلونه.. صار حصى.. صار وحلاً.. صار تراباً.. صار.. صار.. حتى انسحب رافعاً رايته الراقصة في الهواء سروراً بخضوعه للمجهول الذي لا يُرى..

قريباً من نبتته التي رعتها وسقتها اليد الخفية جلس وهو في رحلة البحث عنها.. نَمَتْ.. بنى بالقرب منها بيتاً صغيراً، وحولها سياجاً من الأوهام.. راضياً بأن يكون الخليفة اللا شرعي لليد الخفية، ولمّا كان وحيداً في العالم - أوهكذا يرى نفسه – جعل يبحث عن حيوان صغير يربيه ومن ثم يذبحه ليدفنه قريباً منها، ليصبح المكان موطنه الرسمي، فالأرض التي لا أموات للمرء فيها لا تصلح أن تكون وطناً له، إنهم لغتنا لمخاطبة قلب أمنا الأرض، هم أقرب إليها منا.. وإلاّ لما عانقتهم واحتضنتهم قبلنا..

أصبحت شغله الشاغل وحياته التي يجهلها، مستيقظاً مع صلاة الفجر ليصلي عندها، حتى إنه ليسهو في بعض الأحايين فيتجه نحوها في صلاته، ونسيانها ذنب لا يغتفر في شريعته.. ليالي طوالاً مرت وهو يتسامر معها.. حبيبة اعتزل العالم من أجلها محتملاً قرص الشتاء.. وصفعات الحرّ اللاهب.. والبق الذي جعل من لحمه ودمه سبيلاً لحياته.. حتى بدأت اليد الخفية تخط خطوط السنين السوداء باللون الأبيض في دفتره.. تذكر بعدما مشت السنوات مترنحة حين كان جالساً تحتها الليالي عزفت على أوتار عمره لحن الحياة لهذه الشجرة ..

- ما العمل مع هذه اليد ؟ سأل نفسه .. 

- أكان لا بدّ من استمرار الحياة في شيء سلبها من شيء آخر ؟!

أحس وهو يتحدث عنها بكفها تقبض على قلبه بشدة، ليعرف سطوتها وضعفه، انتابه شعور بأن روحه انتقلت عبر الأثير.. وعبر دروب كانت اليد الخفية ترقد فوقها.. إلى الشجرة.. فتجلّلت له كائناً حياً وهو يتلمس جسده الذي غدا صخرة صمّاء أو جذع شجرة ميت، قام من مكانه وكأن يداً خفية رفعته بلا شعور منه، بعدما أيقن انه والشجرة شيء واحد، كلاهما منها، كلاهما عاش وسيفنى لغيره.. هو لها.. وهي لهم، التفّت يده حولها ليعانقها عناق المشتاق لحبيب طال غيابه.. قبّلها.. مسح عليها.. شارداً في هيامه صوفياً تجلت له لحظة المكاشفة، ولّت ساعات الليل هاربة وهو في عناقه بلا حراك أو حياد عنها ..

فتح النهار عينيه ليكشف ما تستّر عليه الليل، بعدما غاص فيها وأصبح جزءاً منها.. أيام مرّت والناس يمرون بها، لا يعرفون عنه أو عنها شيئاً.. بحثوا.. نقّبوا.. صرخوا.. لا أحد يجيب، إلاّ أنهم رأوا على الشجرة آثار يد لا تكاد تبين، ومنذ ذلك الحين وهو يسمون تلك الشجرة، وذلك المكان بـ( اليد الخفية).

______________ 

 

2- عندما يسكت زوربا


قصة قصيرة  / علي الحديثي

نشرت في الواحة بتاريخ 1 ديسمبر 2014


حتى لو لم أكن أعرف أن أرقص إلاّ أني سأفتح موسيقى زوربا مع الفديو الذي يرقص فيه الناس في الشارع، فأرقص معهم، كنت أضحك مع نفسي على نفسي وأنا أحاول أن أقلد حركاتهم..

وحيداً في غرفتي، لا احد يراني سواها، كل شيء هنا حتى أعضاء جسدي تحول إلى نظرات خاضعة لعيونها، وبرغم الابتسامة التي افترشت صمتها إلاّ أنها لم تستطع أن تلجم صرخات الصمت التي تماوجت فوق قسمات وجهها..

امتدت أيديهم وتعانقت إلى الجانبين كأنهم طيور تستعد للتحليق، فسحبتها بهدوء لتقف إلى جانبي، مددنا أيدينا مثلهم، كل شيء كان بيننا منتظما.. ضحكنا..نبضنا..إلاّ رقصنا العشوائي الذي كان يخط عبثية حب أسكرت أولي النهى..

هطلت أنغام زوربا كالودق المعتق بعطر السماء على جسدينا.. لا..لا..على جسدنا الذي تحول إلى أغنية ترددها خطوات ثكلى بفقد الطريق.. استللت يدي من يدها، وراقصاً توجهت بجسدي المنغمس بلذة الحركات صوب المكتبة، ففتحت رواية زوربا وأخذت اقرأ بصوت مرتفع تقطعه دخان سيكارتي:

( عندما مات صغيري... وقفت هكذا ورقصت، وأسرع الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يتطلعون إلي وأنا ارقص أمام الجثة، ليوقفوني، وأخذوا يصرخون، "لقد جُنّ زوربا ، جُن زوربا"، لكنني أنا في تلك اللحظة لو لم أرقص لجننت من الألم )..

ومن دون أن انتبه رأيتني أقف أمامه، وهو يقلد عبثية جسدي، حدقت فيه بسخرية، الهدوء يسود الغرفة بعدما تناثرت حروفه بين أوتار تشعبت بداياتها، ولا نعرف نهاياتها.. التفت إليها وهي ترمقني بصوت أم كلثوم بعدما سكت زروبا، عدت إليه ملوحاً بإصبع التهديد..

_ لا ينبغي أن يراني أحد الآن إلا هي.. سأقتلك..

أسرعت إلى سريري، لأغطي المرآة بالبطانية، وأواصل لغتي الجسدية بعدما "دارت الأيام" دورتها في ذاكرتي..

(اهرب من قلبي أروح على فين.....)

كنت أحاول بصوتي المرقع.. المرتفع جداً أن أصفع دموعي ..

_ أغبياء.. كلنا أغبياء.. قلم وورقة وأم كلثوم... وليذهب العالم إلى الجحيم..

هرعت إلى مكتبي لأدون هذه الكلمات في لحظات شعرت باني لست أنا قبل قليل، كنت إنسان الحركات، والآن إنسان الكلمات، ولا فرق بين الجنونين إلاّ بالإطار الوهمي، ألقيت بالقلم فوق الأوراق، وقفزت كسباح ماهر إلى نهر الحركات التي تبحث عن خيوط تربطها مع بعضها أو مع ..

( وهلّ الفجر بعد الهجر بلونه الوردي بيصبح ..)

أحيانا تراودني فكرة أن أقفز من النافذة.. ههههه .. أعلم أنكم تظنون أني أفكر بالانتحار، أعرف أن الانتحار هو الحل الأنجع لمشاكل الحياة، ولكن المشكلة أن وراءنا مشاكل أدهى وأمر، فنحن عندما نختار الحياة فهذا يعني أننا اخترنا أخف الضررين..

عندما كنت أذهب للنوم وأنا صغير كنت أسخر من الكلاب التي تنبح، فأقول لها ساخراً ( لن تصلي إلي )، ولكن للأسف لم تكن سخريتي مكتملة، فالجدران الحجرية تمنعي من رؤيتها وهي مهزومة أمامي، كم وددت حينها أن تكون الجدران زجاجية لأنتشي بانتصاراتي السرابية على الكلاب، ربما هذا هو السبب الذي منعني من القفز من النافذة، أن أحتفظ بالجدران التي تحول بيني وبين الآخرين كلاباً كانوا أم بشراً.. أنا أقول ربما.. فانا مازلت أشك بأن دخان سيكارتي يستطيع أن يحتفظ بحروفي في الخواء ليصل بها إلى السماء..

وبلحظات غضب لا أعرف سرها تسربت إليّ من شقوق الروح المتصدعة ..حدقت فيها..

_ ليتها كانت معي..

بادلتني التحديق باستغراب وقد غرقت شفتاها الذابلتان بحرفين..

_ من ؟

لففت يدي حول جسدي كأني أحاول أن امنع روحي من الهرب.. لو.. لو.. هههه.. فإذا بي أضحك.. أضحك.. أضحك.. وأنا استلقي على سريري... وأغمض عيني...  

_________


3 - ذات ليلة


قصة قصيرة / علي الحديثي

نشرت في الواحة بتاريخ 16 يناير 2015


لم يدع عينا إلاّ فقأها بصلافته .. وأذناً الاّ أصمها بقهقهاته التي كان ينشرها على قارعة الطريق وبين الدروب .. لا يذكر انه تعثر يوماً بلسان أحدهم حينما يذهب اليها بعدما ترتدي السماء ثوب الحداد .. لم يكن يضغط زر الجرس بل يتقصد طرق الباب بقوة ليوقظ من يستطيع إيقاظه من الجيران ليقول لهم إنه لا يبالي بهم، لتفتح له الباب بثيابها التي كاد يرى من ورائها جسمها البض الذي يعبث به ما شاء له الهوى فوق سريرها، مستسلمة له استسلام الميت لمغسله، وهما في عريهما التام، وفي الختام كان يصرّ كل ليلة على أن يقبلها من شفتيها عند أذان الفجر ولا يتركهما إلاّ عندما ينتهي الأذان، وكثيراً ما حاولت أن تعرف السبب إلاّ انه كان يكتفي بابتسامة عليها مسحة حزن خفية وهو يرتدي ملابسه ...

وفي الصباح يعود إلى بيته، وعندما يسأل عن سهراته يضحك بصوت عالٍ ويقول:

ـ اثنان يسهران : العابد والفاجر .. وان اختلفت اهدافهما ....

ولولا جيبه او الصحراء الخالية كما كان يسميه لما كان له من أنيس بعدها سوى الخمر، فكم من مرة ومرة همس في اذنها:

ـ قسماً لولا الصحراء الخالية لسقيتك الخمر من فمي ..

لتمزق هدوء الليل بضحكتها التي امتازت بها بين بنات مهنتها، ولا يعرف سر اختياره لها برغم من وجود من هي اجمل منها، وكلهن يتمنينه، رجاء ان يكتب عنهن شعراً، فقد كان شاعراً معروفاً بكلماته العذبة بين اقرانه ... وبرغم صحرائه الخالية إلاّ أن ذلك لم يمنعه من ارتياد الخمارة في بعض الليالي، ومن ثم يذهب اليها بعد انتصاف الليل من دون تقديم أو تأخير، وكم كانت ترجوه أن يأتي قبل هذا الوقت، بل في أي ساعة شاء من اليوم، لم يكن كغيره من الرجال، فكل من يطرق بابها كان يبحث عن جسدها فقط، إلاّ هو فقد أشعرها أن قلبها وجسدها كل لا يتجزأ ... لم تفعل شيئا الا قالت مع نفسها .. لعله يأتي الآن .. ان اغتسلت وتعطرت .. لعله يأتي الآن ... ان رتبت البيت .. لعله يأتي الآن .. ان .. لعله .. وهي تعلم انه لم يأتها بغير وقته المعهود، كم كان يفزعها التفكير بيوم الفراق، فكلماته كانت تحمل بين حروفها هذا المعنى، لقد كان كل شئ في حياتها .. امّا هي فلم تكن تعرف من هي عنده .. وربما هو كذلك لا يعرف ..

قامت من مكانها لترتدي ملا بسها العارية التي اعتادت أن تلبسها لاستقباله، وأخذت تضع على وجهها اسلحة الشيطان الفتاكة، وقبل ان يطرق الباب بدقائق وضعت من عطره الذي أهداه لها، وها هي الساعة تعزف لحن التمرد .. وتجلس قريبة من الباب.. ولكن الباب لم يطرق .. ضحكت في نفسها بخوف، وأخذت تتخيل كيف ستحاكمه على تاخيره .. ساعة مرت والباب لم يطرق .. تململت .. نهضت من مكانها .. تارة تتجول بقلق في البيت، وتارة تقف أمام الباب والتوتر يعبث بأناملها .. ساعتين .. ثلاثاً .. لم يُطرق الباب .. استلقت على فراشها .. وراحت تتقلب فوقه إلى أن سمعت صوت المؤذن يدعو الناس إلى المقابلة الإلهية، فعضت شفتيها وهي تتمطق بهما، الاّ انها لم تستطع ان تمنع دموعها عندما عرفت أن صوت المؤذن هو صوته ... وانه تاب وعاد إلى ما كان عليه.

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية