" قبلَ إحدى عشْرةَ دمعة "
برأسٍ مُثقَلٍ بالوطن
وحقيبةٍ مُثخَنةٍ بالذكريات
وقلبٍ بلا سقفٍ
وكَفٍّ موغِلَةٍ في البياض
وجيبٍ فارغٍ إلا من مئتين وخمسينَ دولارًا ( دَينًا )
واقفًا على الجَورِ كالحسراتِ في هامشِ العمر
قرأتُ الفاتحةَ على خمسٍ وعشرينَ بسمةً
..................................................... غادرتُ وطني
على حدودِ الغيابِ ....
رجلٌ يمهُرُ الجوازاتِ للعبور إلى المجهول ، ملامِحُهُ ضبابيَّةٌ ، ولُغَتُهُ كأنها ارتدادُ صدىً لعشرةِ أصوات
ختمَ سروري وأدخلني مُدخَلَ حُزنٍ ، وكأنه يقول لي :
" وطريقُكَ مسدودٌ ..... مسدود "
كانت شراراتُ الاستفهامِ تتطايرُ من حولي ، حتى وصلَتني
من أنا ...؟
هل أنا أنا .......؟
أم أنني تحوَّلتُ إلى غيري بين دمعةٍ وذكرى ..!
وهل ...؟
وهل ....؟
ألفُ ( هل ) في داخلي اشتعلتْ
ما أضعَفَ الردَّ إنْ لم يَشفَعِ السبَبُ
يا صاحبي
أعجبُ الأشياءِ أبهَمُها
إن يُعرفِ السرُّ فيها يَبطُلِ العَجَبُ
ساعاتٌ طِوالٌ ، تَعدِلُ كلُّ واحدةٌ منها دهرًا كاملَ الألم ، تمتَدُّ من مَطلعِ الهمومِ حتى مغربِ الكلام
قضيتُها وأنا أبحث عن إجابةٍ ضائعةٍ على أرصفةِ الأمنيات .
ثم حصلتُ على كِمْلِكْ ( هويَّة ) :
تؤاخذني بالجَهرِ في نَزفِ أدمعي
وتَسمَحُ لي بالأنِّ والنوحِ في السرِّ
وتَحجُبُ عني البَرَّ والبحرَ والسما
لِتَمنَحَني حَقَّ التجوُّلِ في شِبرِ
كُتِبَ على وجهِها " بطاقة حماية مؤقتة "
وعلى ظهرها " صالحة _ فقط _ في هذه الولاية "
صرتُ بها لاجئًا رسميًّا .
ومَرَّتِ السنواتُ بِمُرِّها ومُرِّها ( وهل في سنين الغربة إلا المرارة )
وتعاقَبَ الليلُ والليل
لم يكنْ للنهارِ معنىً ، فالشمس هنا ( بل في كلِّ بقعةٍ من بقاعِ الأرض ) ... تُشرِقُ على أصحابِ تلكَ البقعة
أصحابِ تلكَ البقعة ...... فقط .
وشَيبًا فَشيبًا كَبُرتُ ، حتى أصبحتُ بِعُمْرِ أبي وأمي .
_ أبي : مهندسُ الجسورِ والطرق ، البنكُ القلبي الذي لا يقبلُ الفائدة
_ أمي : خبّازةُ الحنان التي :
خمَّرتْ عُمرها ... لِتُطعِمَنا منهُ خُبزَ الحياةْ.
وها أنا اليومَ ، أُوَدِّعُ خمسةً وثلاثينَ عامًا
شاعرًا :
بكلِّ شيءٍ ................... إلا بنفسي .
#خالد المحيميد