حنين
للأديب/ مفتاح الشاعري
__________________
مرحبا بك أخي مفتاح. هذا نصك الإبداعي الأول في الواحة. وهو يعلن بوضوح تميزك في الكتابة الإبداعية مثلما أنت متميز في تناول نصوص الأصدقاء.
تجربة إنسانية صيغت ببراعة، أراك نجحت في تعرية نفوس إنسانية قلقة. هذا القلق الذي يغلف سلوك جماعة بشرية جمعتها الظروف للإقامة في مكان واحد برفقة الحرمان. ومع ذلك يمنعها الكبرياء او الحذر من الإعلان عن رغباتها أو مخاوفها. لم نعرف شيئا عن العلاقة التي تربط بين الزوجين المسنين، إلا أنها بدت علاقة مشوبة بالتوتر، وربما بالملل، وهي منطقة برع الكاتب في تلوينها بالبياض دون أن يحجر على خيال القارىء. وجود الشاب المغترب في حياة الزوجين قام بدور يشبه إلقاء حجر في الماء الراكد. ثمة مشاعر متناقضة ومتضاربة أثارها هذا الوجود الذي ربما لم يكن برضاء تام من الزوجين. لم يخبرنا الكاتب عن ظروف الاستضافة، ولا الدافع إليها، أهو إنساني بحت، أو مشاركة مجتمعية، أم دفعت إليه الحاجة. لكننا نعرف من السياق أن هذه الإقامة مضي على وجودها وقت طويل، فالشاب يتأهب لاجتياز الامتحان النهائي، وعلى وشك المغادرة إلى بلاده. لكننا نرى نوعين من العلاقات بين الشاب ومضيفيه.
علاقة واضحة تماما تجمع بينه وبين العجوز. موسومة بما يشبه الرفض من قبل "بن"، بدلالة لهجته الآمرة الخالية من اللباقة في حديثه إلى الراوي. وبدلالة الجملة الحوارية الموحية التي وجهها إليه بصرامة عندما شرع في احضار فنجان قهوته
" اجلس يافتى .. الأمر لا يعنيك "
إنه يقصيه من المشاركة الإنسانية، وكأنه يقول له أنه مجرد نزيل يتلقى الطعام والإقامة فقط. كما لا يخفي على المتابع إيحاءات إشارته إلى الشوق للوطن.
أما العلاقة بين الشاب المغترب ومضيفته الزوجة فهي علاقة تبدو في ظاهرها طبيعية بين صاحبة منزل وبين طالب بعثة مستضاف. والقارىء لا يلمس ثمة أي تجاوز نحو غير المالوف، لكنه يتوقف عند إشارات مضمرة في سلوك الرجلين، هناك ظلال من الريبة تغلف السلوكيات والأقوال. تنادي الزوجة الزوج لكي يجلب بنفسه فنجان قهوته من المطبخ، يراود القارىء إحساس بأنها تعرف يقينا أنه سوف يعاند، ويرفض مغادرة مكانه. وهي ربما فرصة لكي يقوم الشاب بهذه الخدمة. لكن الرجل يحبط المحاولة، ولعل هذا مايفسر لهجته الآمرة الخالية من اللباقة. ولابد ان نتوقف عند إشارته للشاب إى الوطن وشوقه إليه. يخيل إلي أن الحديث لم يكن موجها للشاب، إنما لعلها رسالة إلى الزوجة بأن الشاب ليس إلا عابر، سرعان مايغادر عائدا إلى حياته الطبيعية. هل نشأت علاقة ما بين المرأة والشاب؟.. هذا سؤال يراود حتما القارىء، ورغم غياب أي قرينة تؤكد هذا الارتياب، ستتبقى ظلال من الريبة تحلق في ثنايا السرد. هي الظلال نفسها التي تؤرق بال الرجل الذي لا يستطيع أن يقطع بصحتها، ودون أن يملك التخلص منها. وهو بالتأكيد وضع شائك كفيل بتنغيص حياته، ووسم سلوكه بالعصبية والملل. أما الخاتمة فلم تزد الأمر إلا تشوشا، وتعقيدا. فقد ألقت مزيدا من الظلال، بدلا من أن تبددها. يخبر الشاب المرأة بعزمه على الرحيل، فنلمس في ردة فعلها أسى يتجاوز المتوقع منها. تقول : نعم..نعم.. هذا ما عليك فعله تماما. ثم تهرب بعينيها إلى الأطباق التي تجمعها بيدها المرتعشة. رعشة اليد في موقف الوداع قد يعبر عن أثر التقدم في العمر، وقد يعبر في الوقت ذاته عن توتر أثاره الخبر الذي يمثل واقعا لا سبيل إلى تحاشيه.
يهمني في هذا المقام أن أشير إلى تناص في التيمة والمعالجة. تناص في التيمة مع أعمال الإيطالي بيراندللو الذي استخدم العلاقة الثلاثية ( الزوج/ الزوجة/ العشيق ) في أغلب أعماله الأدبية. وتناص في المعالجة مع تحفة الأديب الليبي أحمد ابراهيم الفقيه ثلاثية "سأهبك مدينة أخرى " . ففي الأخيرة تقوم علاقة بين المغترب والزوجة في شبه تواطؤ ثلاثي أحد أطرافه الزوج، بشرط غير معلن يقتضي الكتمان التام في المجتمع المحلي خارج الجدران. وهو تناص أضاف إلى القصة بأن فتح مصاريع من المعرفة يمكن عن طريقها حل الكثير من معضلات العلاقة الثلاثية المترعة بالريب والشكوك.
كل التحية لإبداعك صديقي مفتاح الشاعري
_____________
نص القصة:
حنين
••••
استسلم العجوز لكرسيِّه الهزَّاز يسترق شعاع الشمس الباهت خلف حاجز السُّحب الرماديِّ ..أخرج غليونه انهمك في حشوه..
كنت أتابع حركاته التي أصبحت شبه مألوفة لديَّ منذ أن رمت بي الغربة إلى هذا المكان الثلجيِّ القصيّ .. كعادته كل مرة كان يتحاشى الحديث معي إلا فيما ندر , لهذا لم أعر لصمته أهمية , عدتُ إلى مطالعة المجلة .. أتى صوت زوجته من داخل البيت : - ( بنّ ).. تعال لتأخذ قهوتك .. إنها جاهزة .. - اللعنة .. ألا تستطيعين أن تأتي بها أيتها المرأة ؟
- إنني مشغولة .. تعالَ إن شئت ..
عادا للصمت لبرهة قبل أن يتمتم ( بنّ ) .. بكلمات لم أتبينها.. هممت بالنهوض لأجلب له قهوته .. نظر إليَّ غاضباً :
- اجلس يا فتى ، الأمر لا يعنيك ..!!
تسارع لهاث الغيظ في نفسي .. اختلط للحظات مع تدفق صورة البشر والعمر .. وأشياء مفقودة .. هناك حيث كنت ...
في المساء .. تحلّقنا حول المدفأة … لم أخرج عن صمتي .. تشاغلت المرأة المسنة بالحياكة .. فيما تشاغل ( بنّ ) بقراءة الصحيفة كعادته … دونما مقدمات أنزل الصحيفة إلى مستوى ذقنه قائلاً :
ـ قل لي يا فتى ، ألا تشعر بالغربة ؟
فاجأني السؤال للحظاتٍ .. تداركت فأجبت :
ـ نعم بلا شك .. ودون انقطاع .. مؤكداً على الكلمة الأخيرة المختلطة بحنقي الذي لا يزال يلازمُنِي ..
- أسمعني .. في شبابي كنت في فرنسا .. شعرت بغربة المجتمع .. وغربتي عمَّن حولي .. و كنت أتغلب عن هذه الوقفات بطريقة ناجحة ..!
ـ أيُّ طريقة ؟
ـ كنت أستجمع صور أشيائي الجميلة في رأسي .. أجسِّدها .. أجعلها تتنفس .. تتحرك .. تحاورني .. أعيشها .. أتعامل معها .. صدِّقني كانت تزودني بدافعٍ ما يجعلني أقهر الغربة التي وجدتُ نفسي في وسطها ..
في غرفتي .. كنت أفكر بكلمات ( بنّ ) استغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن أنام ...
كنت أسير عبر شوارع مدينتي , تهاوت الذكريات أمام الأمكنة , والأزقة ووجوه كثيرة و المسافات ..!
ضعفت الحوَّاس عن مجاراة الزمن والصورة والمكان .. اختفت الأزقة والمنازل المتزاحمة الصغيرة التي ضاعت ألوانها مع انفراط السنوات .. حلَّت الأشياء الشاهقة والسبل الواسعة مكانها.. تلاشت المحطات القديمة .. كان الحاضر سيد اللحظة ..
تناهى الطرق على الباب المصاحب لصوت المرأة العجوز :
ـ مصطفى ، لا تتأخر..!
ابتسمت لرقتها النقيضة لفضاضة ( بنّ ) .. تناولت الأفطار على عجل .. قبل الخروج توقَّفت .. نظرت إليها :
ـ مادلين ، سأجتاز الامتحان .. وسأرحل لوطني .
نظرت إليَّ بحنان يحمل معانيَ ودٍّ أفتقده .. قالت :
ـ نعم .. نعم .. هذا ما عليك فعله تماماً ..
وعادت بنظرها إلى الأطباق تجمعها بيدها المرتعشة ..!!
• مفتاح الشاعري. ليبيا•