زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

« قراءة تفصيلية » بقلم: الأديبة و الناقدة / كنانة عيسى لنص " بسيمياء " للأديبة السورية / عبير ﻋﺒﻴﺮ عزاوي


 




إن رحت غربًا وجدتهما وإن جئت شرقًا وجدتهما



قراءة تفصيلية بقلم


الأديبة سيدة النقد العربي:  كنانة عيسى


لنص « بسيمياء » 


للأديبة السورية: عبير ﻋﺒﻴﺮ عزاوي

 

........................


النص



~ بسيمياء ~



سقط النصيف حين مرّ طيف شاعرها وهمس ملتاعاً

- "بسيمياء، لا تتركيني للظلال."

لكني لم أجرؤ على الاعتراف له بأن الملك النعمان يحتجزها في غرفتها الوثيرة، تتلوى من الألم.

حلم بامتلاك جسدها الذي فتن لبّه، لكن روحها بقيت هائمة وراء الطيف، وهو يتتبع خليط العبير المبثوث على كل الجدران، فقد اعتادت بسيمياء أن تخلط الطيب والعنبر، وتأمرني أن أمرغ به عتبات القصر وجدرانه حين يمر الطيف؛ ليكون العطر كينونةً تهبه منحة الوجود ...

- حين سقط النصيف طار من قلبها خوف الوشاة، وأطلقت في فضاء الروح عشق الجمال، بعد أن تناهبت سيوف مليكك جسد شاعرها الوسيم، وجعلته أشلاء منثورة على الدروب. فصار طيفا أسيراً في قصرها يبحث عن خلاص.

فأنشد أنت ماشئت من القصيد ، وسأغني أنا ما شاء الغناء، فجسدها الملكي الذي يسري فيه عطري المسموم الآن؛ ممهور بالسبي الأبدي لطيف لا يبرح ظله. 

يا زياد ...

- حين سقط النصيف، أسقطك الهوى، غلبك حسنها، وطغت عليك هالة الوجد المهيب.

مليكك يتحرق لكلمات تبّرد لهيب قلبه المصلوب على خشبة حب مغدور، فماذا فعلت ماوية كما تسميها أنت، أو بسيمياء كما يحلو لملكك أن يدعوها، حين يضج به الشوق، ويفيض من جنبيه الشبق فيفحّ في أذنها فحيحاً معذباً باسمها القديم؟! تدير ظهرها لجموح رغبته وسطوة ملكه، بينما تصوغ كل صنوف غوايتها لشاعرها الشاب، تهيل عليه مطراً من فضة جسدها، خصرها موسيقى وخلخالها سرّ، ولسحرها خضع المفتون، فأوقدت عليه أتون الشغف.

 أتظن الطيف يرى أو يحس؟! 

هو حظك الملعون شاء أن تقع أسير فتنة عطرها، ونعومة أصابعها، حين التقطت طرف النصيف فعقدت فيه روحك حين عقدته وأصابت قلبك سهام اللحاظ...

 فأي غواية حملتها لك ذرات الهواء التي تنبثق من طيبها

 وأي جنون حملك لتكتب شعراً لم تسمع العرب مثله؟! 

و أي شفق مدمّى بلون سماء الشوق يحملك لتطوف في حنايا قصرها ملتاعاً تلتقطك ظلال فتنتها؟! 

وحين تصمت ألحاني وتستطيل حرقة صدري، فأصير انعكاس الظل في صورة إنسان لايملك إلا النحيب وبعض الغناء، تدعوني بصوتك المبحوح

 -" يا رؤبة إليّ ببعض ضوء من سراج يوقد في روحي الجمر حين أتمتم باسمها ... نغّمي شعري وصوغيه لحناً نطق به مفتون مثلي. فطار في البلاد. "  

 أغني شعرك الممسوس بالعشق ، فيتماهى مع سحر مسامات صوتي الذي ماصدحت حنجرة بمثله.. فأي شغف يدفعني لأتتبع خطواتك على الدرب حين تسلكه على خطو عطرها. وأنا أتساءل:

من يلهث وراء من؟ 

تجيبني اللهفة، تحضرك موسوماً بذاك السحر المسبوك قصائد تنهلّ من صوتي، وتتحدر كسرب غزلان في صحراء رحلتك العطشى. أهيل على الكلمات وهجاً من تبر صوتي، فتنة تكتنفها الأسماع، وتجعلها وشماً في الروح لايخطئ العطر والصوت واللحن الفريد. ويبرز السؤال من جديد 

- أهو أنت؟!

- ومن أين لي ان أعرف أنه ظل شاعرها العاشق وليس أنت؟!


يهمس الطيف المأسور منتحباً

- إليّ بصوت يكفن روحي وهي هائمة في شهقة من همس عطر أزلي السحر. فأطلقي صوتك يا رؤبة بالغناء، فظلي يحتضر، وروحي يحملها العبق إلى سر جسد ماوية المرصود، فأغنيه : 

وهو يتمتم : أحرقني يا عشق ماوية ففيك تختزل كربتي.

أستذكر ساعة أسدلتُ الستارة، التي تفصل بين حجرتها الخلفية وبين بلاط الملك، ماوية منتشية بحضوره. ذاك الفتى الشاعر واسع العينين، جهوري الصوت،عذب الألفاظ .

حين خرج من البلاط، وقف عند الممر المعطر. خرجت هي من غرفتها فتلاقيا وهبّ العبير 

سقط النصيف حينما مرّوا جميعاً، رفعت يدها تختبئ من عيون الناظرين، تتوارى وراءه خوفاً من اقتحام العيون لحرم الجمال الذي طوّبته باسم شاعرها المحبوب حين همس باسمها ، فبُهت، و على أعتاب سحرها طار صوابه وصوابك وصواب مليكك الأرقش، فمزق بسيف سلطانه جسد الفتى، وشرّدك أنت في البلاد.


-(كنت أظنها تقصدك يا زياد!)

هذا هو سريّ الملعون ...

في تلك الليلة حين كنت تستعد لهروبك الأخير، دخلت بسيمياء غرفتها وهمست لي

-  الملك سيكون ضيفي لهذه الليلة. قومي يارؤبة حضّريني. 

قمتُ،  غسلتُها بماء الورد ومشّطت فرعها بالزعفران... مسحت عن عينيها دموعها فهمست لي :

لا أقوى على ذلك يارؤبة .... لقد نزع روحي . 

 ضمختها بخليط المسك الذي يهيم النعمان بحبه...

 ولا أدري أي يدٍ تلبست يدي فمزجته بسم زعاف.

أوقدت في المخدع شموعا معطرة بذات العطر ...

 وجلست أنتظر مليكك وفاتنته أن يتمرغا بسميّ المعطر ...

لكن الملك ترك ماوية غارقة بالوجع، وخرج غاضباً من صدها الفجّ.... وتلك نجاة. 

ستبقى أنت الشاهد يا زياد فاشحذ شعرك." 

 ولابأس أن اخترت الهرب إلى مجاهل  الصحراء فتلك نجاة أيضاً. 

أما العاشقان وحدهما من خانهما   العطر. 

وهأنا وحدي على جمر دموعي أشرب كأسي المسموم حتى الثمالة.



عبير عزاوي فبراير ٢٠٢٢


................



« القراءة » 



الاستحضار المعاصر للحدث التاريخي (المقطع الأول) 


ليست روعة النص مرتبطة بقصيدة (فتاة الخدر) و شعبية شخوصها التي غدت أسطورية التأويل، بل بتلك اللغة  الشاعرية المنسوجة بدقة شديدة، اللغة الراصدة للتاريخ المشحون بالغموض و الشبق والعشق المحرم وقصص السلاطين التي يمتزج فيها العنف والسوداوية بالموروث. لتخلق تلك الملاءمة  بين الصورة  العائمة للشخصية التاريخية. و بين الجوهر الإنساني الذي نكسوه لحمًا وخطابًَا و  عشقَا وشغفًا في خيالنا المتأجج على حدود حكاية تتنازعها القصائد، قصيدة( المنخِّل اليشكري) الذي عشق زوجة النعمان بن المنذر (ملوية، ماوية، بسيمياء) فقضى بسببها وبين قصيدة النابغة الذبياني (زياد) الذي نفي عن حيرة المناذرة إلى شام الغساسنة بسبب قصيده، فالنص يؤدي الدلالات بانسيابية و إتقان لأنه أجاد انتقاء الألفاظ الدالة على الشخوص التاريخية التي استعارت الحكاية العتيقة، لتخلق قوطية نفسية جاذبة حداثية،

. قوامها السحر القاصم للساردة الأنثى (رؤبة) الجارية


 التفوق الأنثوي للسارد الموثوق


الساردة الساحرة، تلك الشخصية الطاغية التي توهجت في فضاء السرد نفسيا وأخلاقيا، المغنية الرقيقة، الجارية المخلصة، هي قاتلة مضطربة ممسوسة  تخلق محاكمتها الخاصة لكل شيء من منطق الحب وحده، مباركةً بتجليات روح شقية معذبة تختار الفناء بسبب محاكمتها الأخلاقية الشمولية النظرة،بدون البحث عن العذر والسبب؛ 

وكما ورد في النص


ولا أدري أي يدٍ تلبست يدي فمزجته بسم زعاف


 هي رفيقة الملكة المقربة، الصادحة بغنائها العذب مخفية ميولها الإجرامية المضطربة، وقواها الميتافيزيقية الكاشفة، فهي تخاطب الشبح العاشق الهائم بشفافية مطلقةوتملك سطوتها على زياد بقوة الخطاب وتفرده ،و  تروي حكايتها بنكهتها الخاصة، خالقةً حبكة بديلة تتغير فيها ملامح الشخصيات التي قرأنا عنها،( فالمنخل اليشكري) شبح هائم في الأروقة يتتبع عطر الحبيبة، و  (النابغة الذبياني) شخصية هامشية تعاني الأضرار الجانبية لحدث ضمني (سقوط النصيف  المغوي) ليقع في فخ نصب له  مأسورًا بجمال الملكة، مدانًا بغيرة الملك وحنقه، وزوجة النعمان (الملكة العاشقة) التي قتلها عشقها قبل زمن  للشاعر الوسيم، تتلوى  في مخدعها شوقَا وندمًا وحسرةً غير عابئة بالسم الذي سينتزع  أنفاسها الأخيرة. 

هي بؤرة الحدث و تجلياته، الراوية المشكوك بأمرها ،الجارية الضعيفة التي لا ينتبه لها أحد، هي من تغير وجه التاريخ وأحداثه، هي الرمز الأخلاقي  لانتصار العدالة الإنسانية من المفهوم الفردي للنقمة الذاتية،، هي القسوة المتوهجة التي تصنع الفارق وتغير نكهة الحكاية وتكشف الغامض الملتوي  لتجليات الحب بمرارة السم وحده. 


المقطع الثاني


التقابل في إعادة خلق الشخصيات  بين الغرب والشرق


برع الكاتب /الكاتبة في كسر نمط الحكاية الشرقية، بإضافة أبعاد نفسية معاصرة للشخصيات ، أخذت نكهة مسرحية شكسبيرية واضحة و جاذبة ،( فالمنخّل اليشكري) يذكرنا ب شبح هاملت  التحذيري، إلا أنه أكثر رقة و هشاشة وتواطئًا بسبب العشق واللهفة والوجود الهلامي  الشبحي. 


الجارية المغنية، الخادمة كاتمة الأسرار أكثر قوة وصلابة  من الملكة المخذولة العاشقة، ،الخلل النفسي المبطن  الذي نسوغ له الشر إنسانيًا و تذكرنا( بالليدي ماكبث) ذلك البرود المسيطر في تبرير الوهم، والقتل البارد، و السطوع الانهزامي لشخصية الشر التي نتعاطف معها وننحاز إليها. وهي تحتسي سمها الأخير كنوع من التحدي الذاتي لجبروت من يغتالون الحب والعشاق،

 ثم نرى شخصية النعمان بن المنذر) ، الملك الطاغي الذي تحدى كسرى في التاريخ ، الذي يمتدحه شعراء البلاطات باغين جزيل كرمه، متحاشين سطوته وغلو جبروته، هو شخصية هزيلة كسيرة أمام خيانة الملكة الجميلة ، يقابله شبح غريمه( الراحل منتصرًا عليه رغم الموت والتشرذم والعذاب 

، 


الفاصل الزمني  لتطويع الفضاء السردي


اختار الكاتب /ة يوم هروب النابغة الذبياني من بلاط النعمان، فاصلا زمنيا رقيقا نكاد لا نعيه إلا باعادة القراءة

ومحاكاتها عقليًا بتراتب الأحداث ودلالاتها، إنه اليوم الذي 

 ستموت فيه الملكة فتقابل الشبح العاشق في رواق ما، إنه اليوم الذي  سينجو الملك من انتقام خفي، واليوم الذي تكشف فيه رؤبة  الحقائق ل (زياد) الذي تعلم أنه سينجو  ليخبر الحقيقة.  والحكمة السرية التي ستنساب رغماً عنا. 


الحكمة الدفينة في السرد  (الشعر هو الجنس الادبي الخالد) 


 إنها تلك البراعة المذهلة في استحضار معاصر ٍ لماضي خلدته قصيدة  (المنخِّل) في كتب المؤرخين الأوائل، إنها تلك الرغبة المدوية في خلق نص موازي حداثي ،يرتكز على بهاء اللغة وبلاغتها لتوائم مراس وموهبة وذائقة النابغة الذبياني في قصائده الشهيرة، (الشخصية المبدعة  الناجية) ،إنها  قوة سردية عظيمة انتهت بنا لحكمة واحدة (الشعر هو الجنس الأدبي الخالد)، وحدها القصائد من تنجو على مفترق التاريخ الذي يلوك نفسه بالصراعات والحروب والدمار والزوال، وحدهم الشعراء  (المبدعون ) من يخلدون أنفسهم بالحب  متحدّين الملوك والسلاطين بقوة الكلمة التي لا تهاب جبروت الحاكم وصلفه. 

القلم المبدع حوّل قصة الزنا المبتذلة التي  لا تستحق حيلا عاطفية و أدبية على الإطلاق ،إلى أيقونة إنسانية ،

انفصلت فيه الجارية المغنية   بغناء القصائد الخالدة (قصائد النابغة )  لتحتل عقل الآخر (المتلقي المعاصر ) إنه صمت الشركاء في جريمة، امرأتان ورجلان وشبح...، قصائد عشقية ممسوسة بالرغبة والشبق والموت،

نزق وصدى يعطي للعقل والفكر وزنا ليعثر على فلسفة ما

تلك المساواة بين الرقة و السخرية،ذلك الانتصار الأنثوي (للحرملك) على الصولجانات  والتيجان، رهبة القصيدة التي تخلد التلاد ومآثر الممالك من أحل الحب وحده الذي يرتبط باسم المعشوقة الخالدة (بسيمياء) رمز الأنثى الجميلة الملهمة والمغوية عبر العصور

وكما ورد في النص على لسان رؤبة :


ستبقى أنت الشاهد يا زياد فاشحذ شعرك." 

 ولابأس أن اخترت الهرب إلى مجاهل  الصحراء فتلك نجاة أيضاً



•••••••••



Kinana Eissa


19-2- 2022


** منقول من صالون لغتي الخالدة الأدبي.











عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية